إعادة التسلح: وهم الحجم مقابل حقيقة الحرب عالية الكثافة
إعادة التسلح: وهم الحجم مقابل حقيقة الحرب عالية الكثافة

بدأت فرنسا تُعيد اكتشاف حقيقة استراتيجية طال إهمالها: إنتاج الذخيرة ضرورة سيادية. فبعد ما يقرب من ثلاثين عامًا من غياب صناعة وطنية للأسلحة الصغيرة، حددت وزارة القوات المسلحة هدفًا يتمثل في إنتاج 50 مليون طلقة بحلول عام 2029. يُمثل هذا نقطة تحول صناعية، إلا أن حجمه يثير تساؤلات بالفعل في ضوء الاحتياجات الفعلية في حال نشوب نزاع.

قد يبدو هذا الرقم ضخمًا على الورق، لكنه في الواقع العملي ضئيل للغاية. ففرقة قوامها 24 ألف جندي، من بينهم نحو 16 ألف مقاتل فرنسي، قد تستهلك أكثر من 600 ألف طلقة ذخيرة يوميًا في سيناريو قتالي مكثف. وبهذا المعدل، سينفد الإنتاج السنوي المعلن في أقل من ثلاثة أشهر.

حرب شاملة لم يكن متوقعة بشكل جيد

يُبرز هذا التوقع صعوبةً مستمرةً في أوروبا، ولا سيما في فرنسا: فهم الحرب من حيث مدتها وشدتها. إن عودة الصراعات عالية الحدة، كما هو الحال في أوكرانيا، تستلزم منطق الاستنزاف حيث يصبح العدد الهائل هو العامل الحاسم. ومع ذلك، لا يزال هذا البُعد يُستهان به إلى حد كبير في سياسات التوريد.

إذا كانت فرنسا تهدف إلى إنشاء فيلق جيش كامل، فقد تصل احتياجاتها من الذخيرة إلى 1,2 مليون طلقة يوميًا، أو حتى 1,5 مليون طلقة عند احتساب العمليات والتدريبات الأخرى. وعلى المستوى السنوي، سيمثل هذا أكثر من 500 مليون طلقة، أي عشرة أضعاف الهدف الحالي.

إعادة النظر في القدرة الصناعية في زمن الحرب

يُبرز هذا التباين حاجةً ملحة: تحويل التركيز من حجم الإنتاج إلى القدرة الصناعية. ففي أوقات السلم، قد يكفي الإنتاج المعتدل. أما في أوقات الحرب، فلا سبيل لتلبية الاحتياجات العاجلة إلا بصناعة قادرة على زيادة الإنتاج بسرعة.

هذا هو النموذج الذي اتبعته بعض القوى، كالولايات المتحدة، من خلال هياكل "مملوكة للحكومة وتُدار من قبل متعاقدين". هذه المصانع، المملوكة للدولة ولكن تُدار من قبل جهات خاصة، قادرة على زيادة إنتاجها بسرعة عند الحاجة، مع الحفاظ على مستوى إنتاجها عند الحد الأدنى في الظروف العادية.


نحو تحول جذري في نموذج الدفاع

إذا طُبِّق هذا المبدأ على فرنسا، فسيستلزم تغييراً جذرياً في المبادئ. لن يقتصر دور الدولة على شراء المعدات الجاهزة، بل سيتعين عليها تمويل القدرات الصناعية الخاملة التي يمكن تفعيلها بسرعة. قد يكون هذا النهج مكلفاً على المدى القصير، ولكنه ضروري لضمان الاستقلال الاستراتيجي.

يتجاوز هذا التأمل مجرد الذخائر، ليشمل جميع المعدات العسكرية: الطائرات المسيّرة، والقذائف، والصواريخ، والزي العسكري، والمعدات اللوجستية. فالحرب الحديثة لا تُحسم على الجبهات التكنولوجية فحسب، بل أيضاً على القدرة على الإنتاج الضخم على المدى الطويل.

إن عودة الحرب إلى أوروبا تستلزم بالتالي إصلاحاً شاملاً للنماذج الحالية. وبينما تُبذل جهود لتسريع وتحديث عمليات الاستحواذ، لا تزال مسألة الحجم غير مُعالجة بشكل كافٍ. ومع ذلك، ففي الصراعات الطويلة الأمد، غالباً ما يكون الحجم هو العامل الحاسم.

شارك

المجتمع

تعليقات

التعليقات مفتوحة، ولكنها محمية من الرسائل المزعجة. تخضع المنشورات الأولية والتعليقات التي تحتوي على روابط لمراجعة يدوية.

كن أول من يعلق على هذه المقالة.

رد على هذه المقالة

تخضع التعليقات للمراجعة. يتم حظر الرسائل الترويجية ورسائل البريد الإلكتروني الآلية والروابط المسيئة.

قد يتم نشر تعليقك الأول، أو أي رسالة تحتوي على رابط، في انتظار الموافقة.