img_2648.jpg
الزيجات الدينية السرية: المنطقة الرمادية التي تُضعف آلاف العائلات في بلجيكا

في العديد من الدول الأوروبية، تتزايد ظاهرةٌ خفيةٌ ولكنها مثيرةٌ للقلق: وهي وجود زيجات دينية تُعقد خارج الإطار القانوني للدولة. هذه الزيجات، المعترف بها في بعض الأوساط الدينية أو المجتمعية، لا تتمتع بأي قيمة قانونية ما لم تُسجل لدى السلطات المدنية.

يخلق هذا الوضع منطقة رمادية قد تجد فيها بعض النساء والأطفال أنفسهم دون حماية حقيقية. في بلجيكا، لا يزال هذا الواقع غير موثق بشكل كافٍ، لكن الأخصائيين الاجتماعيين والمحامين وممثلي المنظمات غير الحكومية على دراية بوجوده. وراء هذه العلاقات غير الرسمية تكمن أحيانًا أوضاع إنسانية معقدة: أزواج بلا وضع قانوني، وعائلات تعيش في حالة من عدم اليقين الإداري، وأطفال يصبح وضعهم القانوني شديد الهشاشة.

لا تقتصر هذه الظاهرة على بلجيكا وحدها، بل هي جزء من واقع أوسع نطاقاً يُلاحظ في العديد من الدول الأوروبية منذ عقود. ولكن في بعض الأحياء الحضرية التي تتسم بالهجرة والأوضاع الإدارية غير المستقرة، قد تتخذ هذه الممارسة بُعداً خاصاً.

تقليد ديني قديم ولكنه مثير للجدل

لفهم وجود هذه الاتحادات الدينية غير المسجلة، يجب أن نعود إلى بعض الممارسات الزوجية المنبثقة من الشريعة الإسلامية الكلاسيكية.

منذ القرون الأولى للإسلام، تذكر بعض المصادر وجود نوع من الاتحاد يسمى المتعة، والذي غالباً ما يترجم إلى "زواج مؤقت". يتكون هذا العقد من علاقة تُبرم لفترة محددة بين شخصين، مصحوبة باتفاق متبادل ودفع المهر.

في التقاليد القانونية للشيعة الاثني عشرية، لم يتم إلغاء هذه الممارسة قط، ولا تزال قانونية في بعض الدول ذات الأغلبية الشيعية، ولا سيما في إيران أو في مناطق معينة من العراق، حيث تسمى "الصوتة".

مع ذلك، ترى غالبية المذاهب الفقهية السنية أن هذا النوع من الزواج كان محظوراً منذ فجر الإسلام. ويُعدّ هذا الاختلاف أحد الفروق التاريخية بين التقاليد الفقهية السنية والشيعية.

في المجتمعات السنية، ظهرت مع مرور الوقت أشكال أخرى من الزيجات الدينية غير الرسمية. وتشمل هذه الأشكال النكاح، الذي يُعقد دون تسجيل مدني؛ والزواج العرفي، الذي غالباً ما يكون سرياً وغير رسمي؛ وزواج المسيار، الذي تُحدد فيه بعض الالتزامات الزوجية طواعية.

قد يتم الاعتراف بهذه الاتحادات دينياً، لكنها لا تتمتع بوجود قانوني في الدول الحديثة إلا إذا تم تسجيلها لدى السلطات المدنية.

ظهور هذه الظاهرة في الشتات الأوروبي

مع الهجرات الدولية منذ الستينيات والسبعينيات، لوحظت بعض هذه الممارسات في الشتات الإسلامي في أوروبا.

في معظم الحالات، يلتزم الأزواج بالقانون ويقيمون مراسم زواج مدني قبل مراسم الزواج الديني. مع ذلك، في بعض الحالات، لا سيما عندما يكون وضع الهجرة غير نظامي، يختار بعض الأزواج الاكتفاء بمراسم الزواج الديني فقط.

تُعدّ المملكة المتحدة الدولة التي حظيت هذه الظاهرة بأكبر قدر من الدراسات. وقد أظهر استطلاع أجرته منظمة "شبكة النساء المسلمات في المملكة المتحدة" أن حوالي 60% من النساء اللواتي احتفلن بزفاف ديني إسلامي لم يكنّ متزوجات قانونياً بموجب القانون البريطاني.

في هذه الحالات، غالباً ما تظهر العواقب أثناء الانفصال: عدم تقسيم الأصول، وصعوبة الحصول على النفقة أو استحالة تأكيد بعض الحقوق العائلية.

حقيقة سرية ولكنها حقيقية في بلجيكا

في بلجيكا، ينص القانون بوضوح على ضرورة عقد زواج مدني قبل أي مراسم دينية. بل إن إقامة زواج ديني دون عقد زواج مدني قد يُعاقب عليه القانون.

ومع ذلك، ورغم هذا الإطار القانوني، أفاد الأخصائيون الاجتماعيون والعاملون الميدانيون بوجود زيجات دينية تُعقد دون تسجيل مدني. وفي بعض أحياء بروكسل، لا تزال تُمارس زيجات غير رسمية، تُعرف أحيانًا باسم "زيجات الفاتحة".

تتألف هذه المراسم عادةً من تلاوة سورة الفاتحة، أول سورة في القرآن الكريم، أمام إمام أو شخصية دينية معترف بها في المجتمع. وبالنسبة للمشاركين، يُعتبر هذا الزواج صحيحاً تماماً من الناحيتين الدينية والاجتماعية، رغم أنه لا يستند إلى أي صفة قانونية.

في بعض الحالات، تشمل هذه الزيجات أزواجاً ذوي وضع هجرة غير نظامي. وقد يعود عدم وجود زواج مدني إلى عدم امتلاك أحد الشريكين أو كليهما تصريح إقامة.

قد تكون العواقب وخيمة أحياناً: يبدأ الزوجان بتكوين أسرة، ويرزقان بأطفال، لكن وضع الأسرة بأكملها يبقى غير مستقر قانونياً. فبدون وضع قانوني، قد يجد الوالدان نفسيهما في وضع إقامة إدارية غير موثقة لفترة طويلة.

سوابق مقلقة في بروكسل

أثارت مسألة الزيجات الدينية غير المسجلة مخاوف في بلجيكا في الماضي.

في العقد الأول من الألفية الثانية وبداية العقد الثاني، اتُهم بعض الدعاة الناشطين في أحياء معينة من بروكسل بإجراء العديد من الزيجات الدينية خارج الإطار القانوني. وكان اسم الداعية المعروف باسم الشيخ باسم، والذي كان ناشطاً بشكل خاص في مولينبيك قبل أن يغادر إلى سوريا حيث قُتل وهو يقاتل في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية، يُذكر كثيراً في هذا السياق.

وبالمثل، سلطت بعض التحقيقات البرلمانية الضوء على الانتهاكات التي كانت موجودة حول المركز الإسلامي والثقافي في بلجيكا، الواقع في سينكوانتينير في بروكسل، قبل أن يتم التشكيك في وضعه من قبل السلطات البلجيكية في الفترة من 2018 إلى 2019.

وقد ساهمت هذه الأوضاع في لفت انتباه السلطات إلى المخاطر المرتبطة بوجود هياكل دينية تعمل خارج أي رقابة قانونية.

عواقب ملموسة على النساء والأطفال

وبعيداً عن الجدل الديني، فإن القضية قانونية واجتماعية في المقام الأول.

عندما لا يُسجّل الزواج الديني مدنياً، لا يتمتع الزوجان بالحماية التي يوفرها قانون الأحوال الشخصية. وفي حال الانفصال، قد تجد الزوجة نفسها بلا أي حقوق قانونية في ممتلكات الزوجين.

قد يصبح الوضع معقداً أيضاً بالنسبة للأطفال، لا سيما عندما يكون آباؤهم في وضع هجرة غير مستقر. فقد يؤدي انعدام الوضع القانوني إلى تعقيد بعض الإجراءات الإدارية المتعلقة بالنسب أو الإقامة أو الحصول على بعض الحقوق الاجتماعية.

يتحدث الخبراء القانونيون أحيانًا عن "الأسر غير المرئية" للإشارة إلى الحالات التي يكون فيها واقع الأسرة موجودًا اجتماعيًا ولكنه يظل هشًا من الناحية القانونية.

تحدٍّ لسيادة القانون

يؤكد معظم الخبراء على نقطة أساسية واحدة: وهي أن هذه الحالات لا تزال تمثل أقلية ولا تعكس واقع الغالبية العظمى من العائلات المسلمة التي تعيش في أوروبا.

ومع ذلك، ورغم كونهم أقلية، فإن وجود الاتحادات الدينية غير المسجلة يمثل تحدياً حقيقياً للمجتمعات الأوروبية. فهو يُبرز التوتر بين مبدأين أساسيين: الحرية الدينية والمساواة أمام القانون.

في الديمقراطيات الأوروبية، تُصان حرية الدين. ومع ذلك، لا يمكن لهذه الحرية أن تتجاوز قواعد القانون المدني، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحماية حقوق النساء والأطفال.

لا يكمن الحل لهذه الظاهرة في الوصم أو الإنكار، بل على العكس، يتطلب الأمر مزيداً من المعلومات حول الفرق بين الزواج المدني والزواج الديني، ودعماً قانونياً أفضل للمتضررين، وزيادة اليقظة ضد الممارسات التي تتحايل على الإطار القانوني.

في دولة يحكمها سيادة القانون، تبقى قاعدة واحدة أساسية: الزواج المدني وحده هو الذي يضمن بشكل كامل الحقوق القانونية للأزواج وأطفالهم.

إن تجاهل وجود هذه العلاقات غير الرسمية لن يحمي الأشخاص المعنيين. بل على العكس، يُعدّ الاعتراف بهذه الظاهرة ودراستها بجدية خطوة ضرورية لمنع آلاف العائلات من العيش بشكل دائم في ظل القوانين الأوروبية.


شارك