صعود المجتمعات المصغرة عبر الإنترنت: هل هي نهاية شبكات التواصل الاجتماعي الجماهيرية؟
صعود المجتمعات المصغرة عبر الإنترنت: هل هي نهاية شبكات التواصل الاجتماعي الجماهيرية؟

على مدى السنوات الماضية، شهدنا تحولاً هادئاً في عاداتنا الرقمية. فبينما كانت منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وغيرها تهيمن على الساحة، يتجه عدد متزايد من مستخدمي الإنترنت إلى الابتعاد عنها والانضمام إلى مساحات أصغر وأكثر تخصصاً. ووفقاً لتقرير "نظرة عامة على العالم الرقمي 2025"، فبينما لا يزال أكثر من 60% من سكان العالم يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن التفاعل آخذ في التراجع، لا سيما بين من هم دون سن الثلاثين. هذا الجيل الشاب يفضل الآن التفاعلات الأكثر أصالة، مبتعداً عن منطق الاستهلاك الجماهيري والظهور الدائم.

يُعزى هذا الأمر في معظمه إلى وفرة المعلومات. فعلى المنصات الرئيسية، يتعرض المستخدمون لآلاف المحتويات يوميًا، والتي غالبًا ما تُصفّى بواسطة خوارزميات غير شفافة. تُشير دراسة من جامعة ستانفورد إلى أن هذه الوفرة المفرطة تُقلل من جودة التفاعلات المُدركة وتزيد من الإرهاق الرقمي. في المقابل، تُوفر المجتمعات المصغّرة (المجموعات الخاصة، وخوادم ديسكورد، والمنتديات المتخصصة) بيئة أكثر تحكمًا حيث يتبادل الأفراد اهتماماتهم المحددة.

تؤكد الأرقام هذا التوجه. إذ يُشير موقع ديسكورد إلى أن عدد مستخدميه النشطين شهريًا سيتجاوز 200 مليون مستخدم بحلول عام 2025، بينما يتباهى موقع ريديت بأكثر من 70 مليون مستخدم يوميًا. في الوقت نفسه، تتزايد أعداد المجموعات الخاصة على واتساب وتليجرام وفيسبوك، والتي غالبًا ما تضم ​​بضع عشرات أو مئات الأعضاء فقط. تُعزز هذه المساحات شعورًا أقوى بالانتماء، يُشبه ذلك الموجود في المجتمعات التقليدية، بقواعد وأعراف واضحة وهوية جماعية.

مساحات رقمية أكثر حميمية، ولكنها أيضاً أكثر تجزؤاً

من منظور اجتماعي، يُمثل هذا التطور عودةً إلى أشكالٍ اجتماعيةٍ أقرب إلى "القبائل". ففي تسعينيات القرن الماضي، ناقش عالم الاجتماع ميشيل مافيسولي ظهور "القبائل" ما بعد الحداثية، التي بُنيت على أساس ميولٍ اختياريةٍ بدلاً من هوياتٍ مفروضة. وتنسجم المجتمعات المصغرة على الإنترنت تماماً مع هذا المنطق، إذ تُتيح للأفراد التجمع وفقاً لشغفهم أو آرائهم أو أنماط حياتهم، مع الإفلات من تدقيق الغرباء.

مع ذلك، يثير هذا التشتت تساؤلاتٍ أيضاً. فمن خلال التجمع في مساحات متجانسة، يقلّ اطلاع المستخدمين على وجهات نظر متنوعة. وقد أظهرت دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن البيئات الرقمية المغلقة تعزز استقطاب الآراء وانتشار التحيزات المعرفية. وبالتالي، يمكن للمجتمعات الصغيرة أن تعزز الديناميكيات المنعزلة، أو حتى أن تتحول إلى غرف صدى تنتشر فيها أفكار معينة دون معارضة.

أخيرًا، يثير ظهور هذه المساحات تساؤلات حول نموذج أعمال المنصات الكبرى. فباعتبارها تعتمد على الإعلانات وجذب الانتباه على نطاق واسع، فإنها تكافح للتكيف مع هذه الاستخدامات الأكثر خصوصية وتجزؤًا. ورغم أن شبكات التواصل الاجتماعي الجماهيرية لن تختفي على المدى القريب، إلا أن دورها يتطور بالفعل: فهي تتحول إلى ما يشبه واجهات العرض العامة، بينما تتجه التبادلات الحقيقية نحو مجالات أكثر خصوصية. وقد يُعيد هذا التحول تعريف كيفية تواصلنا وبناء مجتمعنا في العصر الرقمي.

شارك

المجتمع

تعليقات

التعليقات مفتوحة، ولكنها محمية من الرسائل المزعجة. تخضع المنشورات الأولية والتعليقات التي تحتوي على روابط لمراجعة يدوية.

كن أول من يعلق على هذه المقالة.

رد على هذه المقالة

تخضع التعليقات للمراجعة. يتم حظر الرسائل الترويجية ورسائل البريد الإلكتروني الآلية والروابط المسيئة.

قد يتم نشر تعليقك الأول، أو أي رسالة تحتوي على رابط، في انتظار الموافقة.