يعتمد الجيش الألماني على جيل اللياقة البدنية في عمليات التجنيد.
يعتمد الجيش الألماني على جيل اللياقة البدنية في عمليات التجنيد.

في مدينة كولونيا، في قلب معرض فيبو، أكبر معرض تجاري للياقة البدنية في العالم، يُظهر الجيش الألماني (البوندسفير) حضوره بقوة. فبين العروض البدنية ومسارات العوائق، يستغل الجيش الألماني هذا الموقع غير المتوقع لجذب جيل جديد من المجندين. ويشارك الزوار في الموقع في تمارين مكثفة، مرتدين أحيانًا أقنعة واقية من الغازات أو أوزانًا ثقيلة، في جو يجمع بين التدريب العسكري والحدث الرياضي.

تُعدّ هذه الاستراتيجية جزءًا من هدف واضح: زيادة أعداد القوات بشكل كبير. تخطط برلين لرفع قواتها إلى 260 ألف جندي بحلول عام 2035، مقارنةً بحوالي 185 ألف جندي اليوم، بالإضافة إلى 200 ألف جندي احتياطي. وللوصول إلى هذا المستوى، يحتاج الجيش إلى استقطاب شباب يتمتعون بلياقة بدنية عالية في بلد أُلغي فيه التجنيد الإجباري عام 2011، ولا يزال هذا الأمر يُمثّل قضية حساسة سياسيًا.

استراتيجية توظيف تركز على المهنيين الشباب

في ظل هذه القيود، يركز الجيش الألماني حاليًا على التسويق وبناء علاقات أوثق مع الجمهور. وقد تم توسيع جناحه في معرض فيبو بشكل ملحوظ، ليصل إلى ما يقارب 400 متر مربع في عام 2026، بمشاركة فريق عمل يضم حوالي مئة شخص. الأنشطة الرياضية، والتحديات المحددة بوقت، والهدايا الترويجية، والمحاكاة: كل ذلك مصمم لخلق تواصل مباشر مع الجمهور.

الجمهور المستهدف واضح المعالم. يقول أحد المنظمين الحاضرين في الفعالية: "نبحث عن شباب رياضيين، نشيطين، ومتحمسين". ويجذب المعرض تحديدًا هذا النوع من الأشخاص: مدربي الرياضة، وهواة اللياقة البدنية، والعاملين في مجال الرعاية الصحية. هذه فئة تدرك أهمية الجهد البدني، وقد تكون متقبلة لفكرة الخدمة العسكرية.

بين الإغراء والتردد المستمر

على الرغم من هذه الاستراتيجية الاستباقية، لا يزال الانتقال إلى التجنيد غير مؤكد. يقول بعض الزوار، مثل فرانز، وهو أخصائي علاج طبيعي يبلغ من العمر 31 عامًا، إنهم منفتحون على فكرة الدفاع عن بلادهم، دون الإقدام على ذلك فورًا. بينما يدرك آخرون، مثل ليندا أو ألينا، أهمية الجيش في السياق الدولي الراهن، لكنهم يترددون في تغيير مسارهم المهني.

تُجسّد هذه الردود تحديًا كبيرًا يواجه الجيش الألماني: إقناع الناس في مجتمع لا يزال يتسم بثقافة سلمية. فالتاريخ الألماني، ولا سيما الحقبة النازية، لا يزال يؤثر على التصورات السائدة عن الجيش، مما يجعل التجنيد أكثر تعقيدًا مما هو عليه في الدول الأوروبية الأخرى.

سياق جيوسياسي يغير قواعد اللعبة

إلا أن المواقف تتغير. فالسياق الدولي، الذي يتسم بتصاعد التوترات، يبدو أنه يُغير تدريجياً النظرة إلى القوات المسلحة. ويشير العديد من الزوار إلى شعور متزايد بانعدام الأمن، ويقرون بالدور المحوري للجيش في حماية البلاد.

دعماً لهذا الاهتمام، فرضت ألمانيا تعداداً إلزامياً للشباب البالغين من العمر 18 عاماً في عام 2026. ويتعين على الرجال تعبئة استبيان حول أوضاعهم ومهاراتهم، تحت طائلة العقوبات، بينما يمكن للنساء المشاركة طوعاً. ويهدف هذا الإجراء إلى تحديد المرشحين المحتملين بشكل أفضل في المستقبل، دون إعادة فرض الخدمة العسكرية في الوقت الراهن.

جيش يبحث عن صورة وجاذبية

إلى جانب التجنيد، يكشف التواجد في معرض فيبو عن تحول أعمق داخل الجيش الألماني. إذ يسعى إلى تحديث صورته، وجعله أكثر انفتاحاً وتوافقاً مع تطلعات الأجيال الشابة. وتُعدّ مبادرات مثل "أولمبيكس"، وهي مسابقات رياضية للفئة العمرية من 16 إلى 19 عاماً، جزءاً من هذا التوجه التدريجي.

يعتمد الجيش الألماني (البوندسفير) بالتالي على نهج غير مباشر: تكثيف قنوات التواصل، وإثارة الاهتمام، على أمل أن يتبع ذلك استقطاب الكفاءات. في سوق عمل تنافسي، وفي ظل توقعات وظيفية جديدة، بات على الجيش الآن أن يسوّق لنفسه كفرصة من بين فرص عديدة. ويعكس هذا التحول التحديات التي يواجهها في ألمانيا عام 2026.

شارك

المجتمع

تعليقات

التعليقات مفتوحة، ولكنها محمية من الرسائل المزعجة. تخضع المنشورات الأولية والتعليقات التي تحتوي على روابط لمراجعة يدوية.

كن أول من يعلق على هذه المقالة.

رد على هذه المقالة

تخضع التعليقات للمراجعة. يتم حظر الرسائل الترويجية ورسائل البريد الإلكتروني الآلية والروابط المسيئة.

قد يتم نشر تعليقك الأول، أو أي رسالة تحتوي على رابط، في انتظار الموافقة.