تنتشر لقطات شاشة على منتديات يرتادها مجرمو الإنترنت، يُزعم أنها تُظهر جلسات نشطة على بوابات داخلية تابعة لقوات الدرك الوطني ووزارة القوات المسلحة. ولا تشير هذه المعلومات، التي كشفت عنها وكالة الأنباء الفرنسية المتخصصة "French Breaches"، إلى اختراق تقني واسع النطاق، بل إلى سيناريو أكثر سرية وربما أكثر إثارة للقلق: حسابات عملاء مخترقة تتمتع بصلاحيات وصول مشروعة.
يبدو أن البيانات المسربة تُظهر اتصالات موثقة بخدمات داخلية حساسة. يتم توجيه الوصول عبر منصة MindefConnect مع تفعيل المصادقة متعددة العوامل، مما يستبعد إمكانية استغلال ثغرة أمنية بسيطة في التطبيق عن بُعد. تبدو الجلسات الظاهرة شرعية تمامًا، كما لو كان مستخدم مُصرّح له يتصفح بشكل طبيعي داخل البيئة الآمنة.
يُبرز السياق خطورة هذه التسريبات. فقبل أقل من 24 ساعة، كشفت ما يُسمى بفضيحة FICOBA عن إمكانية الوصول إلى 1,2 مليون رقم حساب مصرفي دولي (IBAN) عبر حساب وكيل مُخترق. ويُثير هذا التزامن المُتقارب تساؤلات حول مدى متانة آليات حماية الهوية الرقمية داخل الوكالات الحكومية الاستراتيجية.
بيئات حساسة يمكن الوصول إليها عبر هويات صالحة
بحسب المعلومات المنشورة، تشمل الواجهات المعنية أدواتٍ متعلقة بالتوظيف والتدريب وإدارة الموارد البشرية. وتتيح هذه المنصات الاطلاع على الملفات الإدارية والطلبات والبيانات الشخصية، بل وتعديلها. وإذا تأكدت صحة لقطات الشاشة، فإن الأمر سيتجاوز مجرد الإضرار بسمعة المؤسسات، إذ سيشكل وصولاً مباشراً إلى معلومات تخص أفراد الأمن والدفاع.
ومن النقاط الأخرى المثيرة للقلق إمكانية الوصول إلى الحساب عبر Keycloak، وهو حل لإدارة الهوية والوصول يُستخدم لمركزة المصادقة. ففي نظامٍ تتحد فيه تطبيقات داخلية عديدة بآلية مصادقة واحدة، قد يُتيح التحكم في حساب واحد الوصول إلى تطبيقات تتجاوز بكثير نطاق التطبيق الأصلي.
في هذه المرحلة، لا توجد أي مؤشرات على اختراق البوابات نفسها. ويبدو أن الجلسات الظاهرة مُوثقة باستخدام المصادقة الثنائية القياسية. وتبقى الفرضية الأرجح هي اختراق الهوية، من خلال التصيد الاحتيالي المُستهدف، أو برامج خبيثة لسرقة المعلومات، أو سرقة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بالجلسات، أو إعادة استخدام بيانات الاعتماد من اختراقات بيانات سابقة.
تهديد خفي ولكنه استراتيجي
غالباً ما يكون هذا النوع من الحوادث أكثر خبثاً من استغلال ثغرة تقنية. فالحساب الصالح ذو الصلاحيات المشروعة يسمح بالوصول إلى الأنظمة دون إطلاق تنبيه فوري. وبذلك، يستطيع المهاجم استكشاف البيئات، والتنقل داخلها، ومحاولة رفع مستوى صلاحياته، أو استخراج بيانات حساسة.
في حالة الوصول إلى حل مركزي لإدارة الهوية، يكتسب الخطر بُعدًا استراتيجيًا. فالتحكم في حساب الوكيل، نظريًا، قد يسمح بتعديل بعض إعدادات الأمان، أو منح تراخيص لتطبيقات جديدة، أو استخدام رموز المصادقة للوصول إلى أجزاء أخرى من نظام معلومات الإدارة. وفي البنى المترابطة، لم تعد المشكلة تقتصر على البيانات التي يتم الوصول إليها، بل تمتد لتشمل إمكانية التصعيد والانتشار.
في هذه المرحلة، لم يصدر أي بيان رسمي مفصل يؤكد وقوع الحادث أو يحدد نطاقه. وعدم وجود بيان علني لا يعني بالضرورة عدم وجود تحقيق داخلي جارٍ. إلا أنه يُبرز الحساسية البالغة لهذه القضايا، التي تقع على مفترق طرق الأمن السيبراني والدفاع الوطني وحماية البيانات الاستراتيجية. وقبل كل شيء، تُذكّرنا هذه الحادثة بواقعٍ مُستمر: حتى في أكثر البيئات أمانًا، غالبًا ما يظل البشر نقطة الدخول الأولى. وعندما يصبح مُعرّف شرعي أداةً في يد مُتسلل، لا يظهر التهديد باللون الأحمر على الشاشة؛ بل يتسلل خلسةً إلى صميم الأنظمة.