عندما أوقف التطور فيتامين سي: خيار بيولوجي قديم ذو آثار غير متوقعة
عندما أوقف التطور فيتامين سي: خيار بيولوجي قديم ذو آثار غير متوقعة

على مدى ملايين السنين، احتفظت معظم الثدييات بقدرة أيضية شائعة لديها الآن، لكنها غائبة لدى البشر. فبينما تُصنّع العديد من الأنواع فيتامين سي بشكل طبيعي، فإن أجسامنا عاجزة عن ذلك. هذه السمة الفريدة، التي ظهرت قبل حوالي 60 مليون سنة لدى أسلاف الرئيسيات، فُسّرت لفترة طويلة على أنها شذوذ تطوري، دون أي ميزة تكيفية حقيقية. ومع ذلك، تشير الأبحاث الحديثة إلى ضرورة إعادة تقييم هذا الرأي، مُظهرةً أن هذا الفقدان ربما كان ميزة حاسمة في مواجهة بعض التهديدات البيولوجية.

في الثدييات القادرة على إنتاج فيتامين ج بنفسها، يُصنّع هذا الجزيء بواسطة إنزيم محدد يُسمى أوكسيداز إل-غولونولاكتون. ولا يُعدّ اختفاؤه في السلالة البشرية حالةً معزولة، بل يؤثر أيضًا على الرئيسيات الأخرى وبعض أنواع الحيوانات، مما يُشير إلى ظاهرة تطورية قديمة ومستقرة. وبدلًا من اعتباره مجرد صدفة جينية، يرى الباحثون الآن أنه نتيجة ضغط انتقائي طويل الأمد.

استراتيجية غير مقصودة ضد الطفيليات

تشير الأبحاث التي أُجريت في السنوات الأخيرة إلى أن هذا الفقدان قد يكون مرتبطًا بمكافحة العدوى الطفيلية. فقد فقدت العديد من الطفيليات، خلال تطورها، القدرة على تصنيع فيتامين سي. هذا الاعتماد يجبرها على الحصول عليه مباشرة من عوائلها لضمان بقائها وتكاثرها.

في هذا السياق، تُصبح الكائنات الحية القادرة على الحفاظ على مستويات عالية وثابتة من فيتامين سي أهدافًا رئيسية للطفيليات. تزدهر هذه الطفيليات بسهولة أكبر على هذه الكائنات، وتضع المزيد من البيض، مما يضمن استمرارية دورة حياتها. في المقابل، تفقد الكائنات المضيفة التي تعاني من نقص طبيعي في فيتامين سي جاذبيتها البيولوجية. فمع حرمانها من هذا المورد الأساسي، تُكافح الطفيليات من أجل البقاء، وتلجأ في النهاية إلى كائنات حية أكثر ملاءمة. وقد قدمت الأبحاث التي أُجريت في المركز الطبي الجنوبي الغربي بجامعة تكساس أدلة تدعم هذه الآلية. فمن خلال دراسة دور فيتامين سي في خلايا الدم والتفاعلات بين المضيف والطفيلي، لاحظ الباحثون أن النقص المزمن، بدلًا من إضعاف الكائن الحي بشكل منهجي، يُمكن أن يُقلل بشكل كبير من ضغط الطفيليات. وبالتالي، استفادت الكائنات المضيفة غير القادرة على تصنيع فيتامين سي من شكل من أشكال الحماية غير المباشرة، مما حدّ من تكاثر الطفيليات التي تعتمد على هذا الجزيء.

كان من شأن هذه الظاهرة أن تُسهم تدريجيًا في بقاء الأنواع المعنية وتكاثرها. فعلى المدى البعيد، كانت السلالات التي تفتقر إلى هذه القدرة الأيضية أقل تأثرًا ببعض أنواع العدوى، مما يزيد من فرصها في نقل جيناتها. وهكذا، حافظ التطور على هذه السمة رغم ما يبدو من قيود عليها.

إرث بيولوجي ذو عواقب دائمة

مع ذلك، فإنّ فقدان القدرة على تصنيع فيتامين ج لا يخلو من عيوبه. فهو يستلزم الاعتماد الكامل على الغذاء، مما يعرّض الإنسان لخطر نقصه عند عدم كفاية المدخول الغذائي. ويُعدّ داء الإسقربوط، وهو مرضٌ لطالما أثار مخاوف البحارة المحرومين من الفواكه والخضراوات الطازجة، المثال الأشهر على ذلك. ويُبيّن هذا الضعف الغذائي التنازلات الكامنة في أيّ تكيفٍ تطوري.

وقد تعززت نتائج هذا البحث بمنشور علمي صادر عن الأكاديمية الوطنية للعلوم، والذي يسلط الضوء على الدور المحتمل لهذه الطفرة في بقاء الكائنات الحية المتضررة على المدى الطويل. ففي مقابل القيود الغذائية، ربما يكون الكائن الحي قد اكتسب حماية دائمة ضد الطفيليات القادرة على التأثير بشكل كبير على معدلات الوفيات والخصوبة.

يُلقي هذا المنظور الجديد ضوءًا جديدًا على بعض خصائص عملية الأيض البشري. فما يبدو اليوم ضعفًا فسيولوجيًا قد يكون إرثًا لميزة قديمة، تشكلت في بيئة شكلت فيها الأمراض الطفيلية تهديدًا كبيرًا. فالتطور لا يُفضّل بالضرورة الراحة البيولوجية، بل يُفضّل التوازن الأمثل بين التكاليف والفوائد.

شارك