لطالما اعتُبر تباطؤ عملية الأيض نتيجة بيولوجية حتمية للشيخوخة. يتصور الكثيرون هذا التحول غير المرئي، الذي يحدث غالبًا بين العشرينيات والثلاثينيات من العمر، حيث يبدو الجسم فجأة وكأنه يحرق طاقة أقل، ويخزن طاقة أكبر، ويتطلب يقظة أكبر. إلا أن البيانات العلمية الحديثة تُظهر صورة مختلفة تمامًا. فقد أظهرت دراسات نُشرت في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين أن معدل الأيض الأساسي - أي كمية الطاقة التي يستهلكها الجسم في حالة الراحة للحفاظ على وظائفه الحيوية - يظل مستقرًا بشكل ملحوظ بين سن العشرين والستين. وحتى بعد هذا العمر، يكون الانخفاض تدريجيًا ومعتدلًا. وبالتالي، فإن العامل الحقيقي المُسبب لهذا الخلل ليس العمر بحد ذاته، بل تحول أكثر دقة وغالبًا ما يتم تجاهله: فقدان كتلة العضلات.
لماذا تعتبر العضلات مفتاحاً لعملية التمثيل الغذائي؟
العضلات نسيجٌ نشطٌ للغاية في إنتاج الطاقة. على عكس الدهون، تحرق العضلات السعرات الحرارية باستمرار، حتى في حالة الراحة. كلما زادت كتلة العضلات، ارتفع معدل الأيض الأساسي. في المقابل، مع انخفاض كتلة العضلات، يحتاج الجسم إلى طاقة أقل يوميًا. لهذا التغيير عدة نتائج ملموسة. ينخفض استهلاك السعرات الحرارية، مما يُسهّل زيادة الوزن مع تناول نفس كمية الطعام. كما يُخزّن الفائض من الطاقة بسهولة أكبر على شكل دهون، نظرًا لنقص أنسجة العضلات اللازمة لاستخدامها. كذلك، يصبح تنظيم مستوى السكر في الدم أقل كفاءة، لأن العضلات تلعب دورًا محوريًا في امتصاص الجلوكوز المنتشر في الدم. مع ذلك، وعلى عكس الأيض، فإن كتلة العضلات ليست ثابتة مع مرور الوقت. بدءًا من سن الثلاثين تقريبًا، يبدأ انخفاض تدريجي، قد يصل إلى عدة بالمئة كل عقد إذا لم يُتخذ أي إجراء لوقفه. هذا النقص يُفسّر إلى حد كبير شعور "اضطراب الأيض" الذي يُعاني منه الكثيرون.
العمر والهرمونات ونمط الحياة: معادلة غير مواتية
لا يعود فقدان الكتلة العضلية إلى عامل واحد. فمع التقدم في السن، تقل كفاءة بناء البروتين العضلي، ويتباطأ تجدد العضلات، خاصةً إذا لم يتغير تناول البروتين وممارسة الرياضة. بعبارة أخرى، لم يعد الحفاظ على نفس العادات كما في سن الخامسة والعشرين كافيًا في سن الأربعين أو الخمسين. كما تلعب التغيرات الهرمونية دورًا هامًا، لا سيما لدى النساء. إذ يُحفز انخفاض هرمون الإستروجين في فترة ما قبل انقطاع الطمث كلاً من تكسير العضلات وتخزين الدهون، خاصةً في منطقة البطن. يُضاف إلى ذلك الإجهاد المزمن واضطرابات النوم، مما يؤدي إلى ارتفاع مستمر في مستوى الكورتيزول، وهو هرمون معروف بتسريع فقدان الكتلة العضلية. تتضافر هذه العوامل لتُشكل حلقة مفرغة: كتلة عضلية أقل، واستهلاك أقل للطاقة، وتخزين المزيد من الدهون، وشعور دائم ببطء عملية الأيض.
إعادة بناء العضلات لإعادة تشغيل الآلة
الخبر السار هو أن هذا المسار ليس نهائيًا. فالعضلات نسيج قابل للتكيف، قادر على النمو في أي عمر إذا تلقى الإشارات الصحيحة. ويُعدّ التدريب المنتظم على القوة هو المفتاح، فهو يحفز تخليق البروتين ويبطئ فقدان العضلات المرتبط بالتقدم في السن. جلستان إلى ثلاث جلسات أسبوعيًا، تستهدف جميع مجموعات العضلات، كافية لتحقيق نتائج ملموسة. ويلعب النظام الغذائي دورًا بالغ الأهمية أيضًا. تزداد احتياجات الجسم من البروتين مع التقدم في السن، تحديدًا لتعويض انخفاض كفاءة الجسم في استخدامه. ويؤدي نقص تناول البروتين إلى تسريع فقدان العضلات، حتى لدى الأشخاص النشطين. في هذا السياق، تجذب بعض الاستراتيجيات التكميلية، مثل مكملات الكرياتين، اهتمامًا متزايدًا في الدراسات العلمية. فعند استخدامها لدعم التدريب، ترتبط الكرياتين بتحسين القوة وكتلة العضلات، حتى لدى كبار السن. في النهاية، ما يفسره الكثيرون على أنه نتيجة حتمية للشيخوخة، يبدو أنه ناتج عن اختلال تدريجي في التوازن بين كتلة العضلات والنشاط والتغذية. لذلك، فإن تعزيز عملية التمثيل الغذائي لا يتعلق بمحاربة الزمن، بل بإعادة بناء كتلة العضلات بنشاط، وهي مصدر الطاقة الحقيقي للجسم.