تحت سطح الأنهار والجداول الهادئة، تخفي فرنسا مقبرة معدنية. على مدى ستة أشهر، قام غواصو الشرطة بتمشيط الممرات المائية بحثًا عن سيارات غارقة، انطلاقًا من فكرة بسيطة ومثابرة: حطام سيارة منسي قد يعيد فتح قضية مغلقة، ملف ظل خامدًا لعدم وجود أدلة مادية.
إلى جانب ذلك، تعمل التكنولوجيا كحاسة سادسة. فالسونار يُستخدم لرصد الأشكال غير المألوفة، والطائرات المسيّرة تحت الماء للاقتراب دون إثارة الطمي، والكاميرات والأضواء لتمييز مقبض الباب، ولوحة الترخيص، وتفاصيل هيكل السيارة. والهدف ليس استعراضاً، بل تحديد الموقع والتعرف عليه، ثم التحقق منه خطوة بخطوة، قبل النظر في أي صلة محتملة بحالة سابقة.
في لوهان-شاتورينو، بمقاطعة سون ولوار، تحوّل تدريبٌ عسكري إلى مأساة. عُثر على سيارة سيتروين عالقة في الوحل، ثم سُحبت، ليُكشف عن جمجمة وعظام بداخلها. تبيّن أن الرفات تعود لأبٍ فُقد عام ١٩٨٤. يتذكر بيير غارسو، وهو دركي سابق كان قد حقق في القضية آنذاك، تفصيلاً مروعاً: عُثر على السيارة على بُعد كيلومتر واحد تقريباً من منزل العائلة، قريبة جداً، لكنها خارج نطاق عمليات البحث في ذلك الوقت. رفضت العائلة الإدلاء بأي تعليق.
أجهزة السونار والروبوتات والمزهرية السوداء: الحقيقة في نهاية الكابل
في منطقة إيفلين، يكون المشهد أقل إثارةً لكنه لا يقلّ أهميةً. يُشير جهاز السونار إلى شكلٍ يُشبه حطام سفينة، فيهبط الغوّاصون إلى عمق خمسة أمتار تقريبًا، شبه عميان. تقلّ الرؤية، ويتراكم الطمي بكثافة، وتتباطأ حركاتهم، فيعودون إلى السطح، وأحيانًا تكون هناك حاجة إلى غطسة ثانية لأن قاع البحر يُغطي كل شيء. يبحثون عن نوع السفينة، أو طرازها، أو سمة مميزة، أو دليل على وجود بشري في الداخل. لا شيء يُعتمد على الحدس.
تُقدّر السلطات أن آلاف المركبات غارقة في المجاري المائية. وعلى الصعيد الوطني، أفادت قوات الدرك بالعثور على ما لا يقل عن 2500 حطام مركبة خلال الأشهر الأخيرة، وانتشال ثلاث جثث. وتستخدم بعض الوحدات تقنية النمذجة ثلاثية الأبعاد لتوثيق حالة المركبة عند اكتشاف جثة، ما يُتيح إغلاق الموقع قبل أي عملية إنقاذ. وفي كونفلان سانت أونورين، وصفت فرقة الإنقاذ النهري روبوتات قادرة على الدوران حول السيارة، والتقاط أدق التفاصيل بدقة فائقة، وفحص المقصورة الداخلية دون تعريض الغواص للخطر.
يبقى الجزء الأكثر إرهاقًا من العمل، الجزء الذي يغيب عن ذهن القارئ: التأكيد، والمقارنة، وانتظار تحديد الهوية، والتواصل مع العائلات التي أنهكها عقود من الصمت. الجثة ليست دائمًا إجابة؛ فقد تكون مجرد قطعة أخرى من المخزون في المياه الفرنسية. لكن مع كل إشارة سونار، يعود الأمل، بهدوء، ومعه إمكانية أن تتوقف بعض الحالات أخيرًا عن كونها أسئلة بلا إجابة محفوظة في ملف.
المجتمع
تعليقات
التعليقات مفتوحة، ولكنها محمية من الرسائل المزعجة. تخضع المنشورات الأولية والتعليقات التي تحتوي على روابط لمراجعة يدوية.
كن أول من يعلق على هذه المقالة.