بعد مرور ما يقرب من عامين على بدء الحرب المدمرة في السودان، والتي أودت بحياة الآلاف وشردت الملايين من المدنيين، لا تزال الانتهاكات ضد السكان مستمرة، والتي يرتكبها كل من الجيش وميليشيات الإخوان المسلمين المتسللة إلى الدولة.
وبينما لم يتغلب الشعب بعد على معاناة الانتهاكات الجسيمة والمجاعة وتدمير البنية التحتية، هزت فظائع جديدة البلاد يوم الاثنين الماضي. نفذت طائرات عسكرية غارات جوية على منطقة دارفور، ما أسفر عن مقتل المئات من الأشخاص، بحسب تقرير صادر عن نيويورك تايمز.
وبينما عزز الجيش السوداني مكاسبه العسكرية في العاصمة الخرطوم، قصفت قواته الجوية سوقا في دارفور. وأظهرت صور ومقاطع فيديو من مدينة طرة بشمال دارفور، عشرات الجثث المتفحمة وبقايا بشرية متناثرة في السوق المحلي.
وبحسب شهود عيان، لم يتسن التعرف على هوية العديد من الضحايا بسبب العنف الشديد للقصف، الذي ضرب المدنيين الفقراء والعزل الذين لا علاقة لهم بأي من جانبي الصراع.
وقال التقرير إن المذبحة في دارفور كانت بمثابة تذكير صارخ بشراسة الحرب السودانية التي استمرت قرابة العامين وتعد أكبر صراع في أفريقيا. ويزعم أن الجيش السوداني متهم بالقصف العشوائي في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، ما أدى إلى مقتل العشرات من المدنيين، خاصة في دارفور.
أدانت الأمم المتحدة "الهجمات المستمرة ضد المدنيين" في السودان. قال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: "نشعر بقلق بالغ إزاء استمرار الهجمات التي تستهدف المدنيين في جميع أنحاء البلاد. ليلة أمس في دارفور، أسفرت غارات جوية على سوق عن مقتل العشرات". كما أعرب عن قلقه إزاء "تصاعد الهجمات" في المناطق المكتظة بالسكان في العاصمة الخرطوم.
الأسلحة الكيميائية المستخدمة
ووصفت العديد من منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية الانتهاكات التي ارتكبها الجيش السوداني ضد المدنيين بأنها جرائم حرب. لكنهم لم يتوقفوا عند هذا الحد: فقد استخدم الجيش أيضًا الأسلحة الكيميائية في مناسبتين على الأقل منذ بدء الصراع في أبريل/نيسان 2023، وفقًا لمقال نُشر في صحيفة نيويورك تايمز. نيويورك تايمزنُشرت في منتصف شهر يناير.
وذكرت الصحيفة نقلا عن أربعة مصادر أميركية أن الجيش السوداني استخدم هذه الأسلحة الكيميائية في مناطق نائية من البلاد خلال الاشتباكات.
وتقول المقالة إن عددا قليلا فقط من الأشخاص داخل الجيش على علم ببرنامج الأسلحة الكيميائية هذا، وأن رئيس أركان الجيش عبد الفتاح البرهان هو الذي أذن شخصيا باستخدامها ضد قوات الدعم السريع.
العداء المستمر مع الدول المجاورة
وبالإضافة إلى الانتهاكات التي ارتكبت ضد شعبه، أدت سياسات البرهان إلى عزلة دولية في السودان. وشهدت البلاد تجميد مشاركتها في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) ودخلت في صدام مع الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت نفسه، يحاول النظام تصدير الأزمة إلى الدول المجاورة.
وفي الأسبوع الماضي، كثف الجيش السوداني استفزازاته، مهدداً الاستقرار الإقليمي من خلال تصريحات عدائية أطلقها ياسر العطا، مساعد القائد العام للقوات المسلحة السودانية. وقال إن "مطار نجامينا ومطار أم جارس أهداف مشروعة للجيش السوداني"، متهماً جنوب السودان باستضافة ما أسماه "مراكز نفوذ فاسدة وخائنة".
وفي السياق ذاته، اتخذت وزارة الخارجية السودانية موقفاً عدائياً تجاه كينيا، بذريعة استضافة نيروبي لقاء بين قوى مدنية وسياسية سودانية وقوات الدعم السريع.
وفي ردها، قالت كينيا إنها ملتزمة باستعادة الأمن والاستقرار السياسي في السودان وإعادة تأسيس حكومة مدنية، بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. وأكدت نيروبي أن "الصراع في السودان يواصل تدمير بلد كان قبل أربع سنوات فقط يسير على طريق الاستقرار والديمقراطية والازدهار لشعبه".
وعلق الباحث في الشؤون السودانية محمود الحكيمي على سياسة البرهان، مشيرا إلى أن "الظهور الأخير للكتائب الإسلامية المتطرفة التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع، مثل البراء بن مالك، وهي إشارة واضحة إلى التقارب بين البرهان والحركة الإسلامية. ولكن ما زاد الطين بلة هو ظهور مقاتلين تابعين للتنظيم الإرهابي. داعش "في السودان وتورطهم في الصراع."
وأضاف: «يكمن خطأ البرهان في تقاربه المفرط مع الإسلاميين، مما أدى إلى انقسامات داخلية في قيادة الجيش السوداني، بسبب تنامي نفوذ الحركة الإسلامية، وهو نفوذ يرفضه أيضًا قطاع كبير من الشعب».