أدى بيتر ماغيار اليمين الدستورية كرئيس لوزراء المجر، ووعد بقطيعة مع عهد أوربان.
أدى بيتر ماغيار اليمين الدستورية كرئيس لوزراء المجر، ووعد بقطيعة مع عهد أوربان.

تشهد المجر حالياً زلزالاً سياسياً. فبعد ستة عشر عاماً من الحكم المطلق لفيكتور أوربان، نجح رجل واحد حيث فشل جميع المعارضين: الإطاحة به. في سن الخامسة والأربعين، رسخ بيتر ماغيار نفسه الآن كوجه جديد للسلطة في بودابست، مدفوعاً بفوز ساحق وأغلبية برلمانية ساحقة.

فاز حزبه، تيسا، بما يقارب ثلثي المقاعد، وهي نتيجة تمنحه القدرة على إحداث تغيير جذري في النظام السياسي المجري. لكن وراء هذا الانتصار الباهر تكمن رحلة فريدة، تكاد تكون متناقضة: رحلة رجل انبثق من صميم النظام الذي أسقطه في نهاية المطاف.

وُلد بيتر ماغيار في بودابست عام 1981 لعائلة ذات نفوذ، وانغمس في دوائر السلطة منذ صغره. كان عمه الأكبر، فيرينك ماديل، رئيسًا للجمهورية، بينما كانت زوجته السابقة، جوديت فارغا، وزيرة للعدل. درس بيتر القانون في مؤسسات مرموقة مثل جامعة هومبولت في برلين، وبدأ مسيرته المهنية في الإدارة المجرية قبل أن ينضم إلى أروقة السلطة.

من الموالي لنظام أوربان إلى المتهم الرئيسي

لأكثر من عقد من الزمان، عمل بيتر ماغيار في ظل الحزب الحاكم، فيدس. شغل مناصب استراتيجية في وزارة الخارجية، ثم في الممثلية المجرية لدى الاتحاد الأوروبي، قبل انضمامه إلى حكومة فيكتور أوربان. مسار وظيفي تقليدي للبيروقراطيين، حتى لحظة الانهيار.

جاءت نقطة التحول في عام 2024، على خلفية فضيحة سياسية أحاطت بعفو رئاسي مثير للجدل. فاجأ الجميع باستقالته، وندد علنًا بتجاوزات السلطة، واتهم نظام أوربان بالفساد المستشري. انتشرت تصريحاته انتشارًا واسعًا، ولاقت صدىً كبيرًا لدى الرأي العام. ثم صرّح بأن "بضع عائلات تملك نصف البلاد"، كاسرًا بذلك أحد المحرمات في المجر الخاضعة لسيطرة مشددة.

وبسرعة خاطفة، تولى قيادة حزب تيزا الذي كان مهمشاً سابقاً، وحوّله إلى آلة سياسية جبارة. وفي غضون أشهر قليلة، وحّد قاعدة انتخابية متنوعة: من بينهم من خاب أملهم في النظام، وشباب المدن، والطبقة الوسطى، فضلاً عن شريحة من الناخبين المحافظين الذين سئموا من بنية السلطة القائمة.

صعود صاروخي إلى السلطة

في أقل من عامين، تحوّل بيتر ماغيار من دخيل على الساحة السياسية إلى زعيم قوي في البلاد. وقد أكّد نجاحه في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024 هذا الاختراق، لكنّ قدرته على حشد الجماهير في الشوارع كانت هي ما أثار الإعجاب أكثر من أي شيء آخر. فقد جمعت تجمعاته في بودابست عشرات، بل مئات الآلاف من الناس، مما أضفى على حملته الانتخابية بُعدًا تاريخيًا.

أكدت انتخابات 12 أبريل/نيسان 2026 هذا التوجه. فقد حصدت أكثر من 50% من الأصوات، وشهدت إقبالاً قياسياً، مما ألحق هزيمة نكراء بفيكتور أوربان، حتى في معاقله التقليدية. وقد أقر رئيس الوزراء المنتهية ولايته نفسه بهزيمة "مؤلمة ولكنها واضحة".

في شوارع بودابست، احتفلت حشود غفيرة بما اعتبرته تحرراً سياسياً. ثم وعد بيتر ماغيار، رافعاً العلم الوطني، بـ"استعادة البلاد" وإعادة إرساء نظام الضوابط والتوازنات.

استراحة نسبية وليست اضطراباً كاملاً

مع ذلك، لا يُمثل رئيس الوزراء الجديد قطيعة تامة مع سلفه. فهو لا يزال محافظاً من الناحية الأيديولوجية، ويدعو إلى موقف متشدد بشأن الهجرة، ويعارض إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا، مع اعترافه بحق كييف في الدفاع عن نفسها ضد فلاديمير بوتين.

يكمن الاختلاف الحقيقي في مكان آخر: في الأسلوب وفي العلاقة مع أوروبا. فبينما سعى فيكتور أوربان إلى صراع دائم على السلطة مع بروكسل، يعد بيتر ماغيار بتطبيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، دون التخلي عن موقفه النقدي.

يُقدّم نفسه كمُصلح للنظام لا كثوري. هدفه المعلن هو استعادة ديمقراطية أكثر توازناً، ومكافحة الفساد، واستعادة استقلالية المؤسسات.

والآن، في بودابست كما في بروكسل، ينتظر الكثيرون ليروا ما إذا كان رجل التجديد سيفي بوعوده أم أنه سيواصل، بطريقته الخاصة، نموذجاً سياسياً ساعد في بنائه قبل الإطاحة به.

شارك

المجتمع

تعليقات

التعليقات مفتوحة، ولكنها محمية من الرسائل المزعجة. تخضع المنشورات الأولية والتعليقات التي تحتوي على روابط لمراجعة يدوية.

كن أول من يعلق على هذه المقالة.

رد على هذه المقالة

تخضع التعليقات للمراجعة. يتم حظر الرسائل الترويجية ورسائل البريد الإلكتروني الآلية والروابط المسيئة.

قد يتم نشر تعليقك الأول، أو أي رسالة تحتوي على رابط، في انتظار الموافقة.