لطالما اعتُبرت برامج التحكم التي تستخدمها شركات تصنيع الحمض النووي خط الدفاع الأخير ضد الإنشاء غير المقصود لتسلسلات خطيرة. لكن دراسة نُشرت في علوم يُظهر هذا البحث أن هذه الثقة قد تكون مُضللة: فبفضل الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن الآن تجاوز هذه الأنظمة وإنتاج تسلسلات عند الطلب تُشبه السموم أو الفيروسات المعروفة، دون أن يتم اكتشافها. أجرى التجربة فريق من مايكروسوفت بقيادة إريك هورفيتز. واستلهم الباحثون ممارسات الأمن السيبراني، واختبروا متانة المُرشِّحات من خلال معالجة عيوبها مباشرةً. المبدأ بسيط: استخدام أدوات تصميم البروتين لإعادة صياغة التسلسلات المُقلقة، أي تعديل ترتيبها مع الحفاظ على البنية ثلاثية الأبعاد التي تُحدد وظيفتها. والنتيجة: تسربت آلاف التسلسلات الخطيرة عبر الشبكة وكأن شيئًا لم يكن.
نقطة ضعف الدفاعات البيولوجية
تسبب هذا الاكتشاف في حالة من الذعر في مختبرات الأمن البيولوجي، إذ ثبت أن البرنامج الأكثر استخدامًا في هذا المجال غير قادر على تحديد هذه المتغيرات التي يولدها الذكاء الاصطناعي. ومنذ ذلك الحين، طُوِّر تصحيحٌ برمجي، مما حسّن بشكل كبير معدل الكشف، ولكنه لا يزال يعاني من بعض العيوب. حتى بعد التحديث، لا يزال حوالي 3% من التسلسلات الضارة المحتملة تفلت من المرشحات. يُظهر هذا الاختراق توترًا متزايدًا: فالأدوات نفسها القادرة على ابتكار بروتينات مفيدة لمكافحة السرطان، أو تحييد الفيروسات، أو تنظيف البيئة، يمكن استخدامها أيضًا في تصنيع أسلحة بيولوجية. لذا، فإن القوة الإبداعية للذكاء الاصطناعي تتطلب منا إعادة النظر في الأمن البيولوجي كتخصص قريب من الأمن السيبراني، حيث تتطور التهديدات باستمرار وتتطلب دفاعات قابلة للتكيف باستمرار.
بين الانفتاح العلمي والسرية الدفاعية
أثار نشر هذا العمل معضلة: إلى أي مدى ينبغي مشاركة المعلومات؟ في عالم الأمن السيبراني، يسمح الكشف عن خلل بتصحيحه بسرعة. ولكن في علم الأحياء، فإن الكشف عن الكثير من التفاصيل يرقى إلى الكشف عن أسلحة محتملة. لذلك اختار الباحثون النشر متعدد المستويات: حيث لا يمكن الوصول إلى بعض البيانات الحساسة الآن إلا من خلال إجراء تشرف عليه المبادرة الدولية للسلامة البيولوجية والأمن البيولوجي في العلوم (IBBIS). تسلط هذه الحلقة الضوء على ضعف آخر: لا يوجد قانون يلزم شركات تخليق الحمض النووي بتصفية طلباتها بشكل منهجي. ومع ذلك، فإن تكاليف الإنتاج آخذة في الانخفاض بينما تظل تكاليف التحكم مستقرة. وبالتالي، فإن إغراء خفض الإنفاق على الأمن موجود. وقد حذرت المنظمات غير الحكومية مثل مبادرة التهديد النووي من هذا الخلل لعدة سنوات، داعية إلى أن يصبح التصفية إلزاميًا دوليًا. في النهاية، فإن الثغرة التي كشفت عنها مايكروسوفت ليست مجرد تنبيه تقني. فهي تشير إلى أنه في عالم يسرّع فيه الذكاء الاصطناعي اختراع الحياة، فإن كل تقدم علمي يتطلب جهدًا متساويًا في الضمانات. إن مستقبل الأمن البيولوجي لن يتحدد في المختبرات فحسب، بل سيتحدد أيضًا في قدرة الدول والجهات الفاعلة الصناعية على وضع قواعد مشتركة قبل استغلال الخلل التالي.