بقلم جيروم جولون.
تحتفل فرنسا اليوم، الأول من مايو، بعيد العمال. وهو يوم عطلة رسمية، ويوم إجازة مدفوعة الأجر لمعظم الموظفين. كما يتميز هذا اليوم بمظاهرات نقابية وتقليد تقديم زهرة زنبق الوادي كتميمة لجلب الحظ.
يحتلّ الأول من مايو/أيار مكانةً خاصةً في التقويم الفرنسي. فهو لا ينبع من عيد ديني، أو انتصار عسكري، أو احتفال وطني تقليدي. بل جذوره اجتماعية ودولية، مرتبطة بمطلب يوم عمل من ثماني ساعات، الذي دافعت عنه الحركات العمالية في أواخر القرن التاسع عشر. ولذلك، يُعدّ الأول من مايو/أيار في فرنسا يوم راحة، ويوم ذكرى، ويوم احتجاج، وتقاليد شعبية في آنٍ واحد.
تقليد ربيعي قبل أن يصبح يوم العمال
قبل أن يرتبط الأول من مايو بالعمل، كان مرتبطًا بتقاليد الربيع. ففي المجتمعات الريفية الأوروبية، يمثل شهر مايو عودة الطقس الدافئ، وازدهار الأزهار، ونمو النباتات.
في فرنسا، باتت زهرة زنبق الوادي تُعتبر تدريجياً زهرةً تجلب الحظ. وتعود عادة تقديمها في بداية شهر مايو إلى العصور القديمة، وغالباً ما تُربط هذه العادة بعصر النهضة، ولا سيما بالملك شارل التاسع، الذي يُقال إنه كان يُهدي زهرة زنبق الوادي كرمزٍ للحظ السعيد في القرن السادس عشر.
لم يكن هذا التقليد الزهري مرتبطًا في الأصل بعيد العمال، بل كان جزءًا من عادات الربيع الشعبية. لكن مع مرور الوقت، أصبح جزءًا لا يتجزأ من التاريخ الاجتماعي لأول مايو. واليوم، يُعد زنبق الوادي أحد أبرز رموز هذا التاريخ، حيث يُباع في الشوارع، وفي محلات بيع الزهور، ومن قِبل الجمعيات والأفراد. ويضفي هذا الزنبق على الأول من مايو بُعدًا عائليًا وشعبيًا، متميزًا عن دلالاته المرتبطة بالنقابات العمالية، ولكنه يُكملها.
القرن التاسع عشر: أيام عمل طويلة جداً
يعود أصل عيد العمال في الأول من مايو إلى فترة التصنيع. ففي القرن التاسع عشر، أدى تطور المصانع والمناجم وورش العمل ووحدات الإنتاج الكبيرة إلى تغيير جذري في طبيعة العمل. كانت أيام العمل طويلة للغاية في كثير من الأحيان، حيث كان العمال في قطاعات عديدة يعملون عشر أو إحدى عشرة أو اثنتي عشرة ساعة يوميًا، وأحيانًا أكثر من ذلك. كانت الأجور منخفضة، والحوادث متكررة، والحماية الاجتماعية محدودة. كما استمر عمل الأطفال في العديد من البيئات الصناعية.
ثم أصبحت مسألة ساعات العمل محورية. فبالنسبة للعمال، كان تقليص ساعات العمل اليومية يعني الحصول على مزيد من الراحة، والحفاظ على صحتهم، وقضاء وقت مع عائلاتهم ولشؤونهم الشخصية، وتحسين كرامتهم. وأصبح الشعار السائد هو شعار يوم العمل ذي الثماني ساعات: ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات راحة، ثماني ساعات للترفيه أو الحياة الشخصية. وأصبح هذا المطلب أحد الأهداف الرئيسية للحركة العمالية العالمية.
1884: الاعتراف بالنقابات العمالية في فرنسا
في فرنسا، اتُخذت خطوة هامة مع صدور قانون عام 1884 الذي اعترف بحرية تكوين الجمعيات. سمح هذا القانون للعمال بالتنظيم بحرية أكبر للدفاع عن مصالحهم المهنية. وبدأ العمل النقابي الفرنسي يكتسب هيكلية تدريجية. وتركزت المطالب على الأجور، وساعات العمل، وظروف السلامة، والاعتراف بالحقوق الجماعية، والحق في الإضراب. وقد مهد هذا التنظيم النقابي الطريق أمام حركات الاحتجاج الجماهيرية في عيد العمال.
1886: إضرابات شيكاغو، نقطة انطلاق دولية
يعود أصل الاحتفال بيوم العمال العالمي في الأول من مايو/أيار إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الأول من مايو/أيار عام ١٨٨٦، نُظمت إضرابات ومظاهرات في عدة مدن أمريكية للمطالبة بيوم عمل من ثماني ساعات. وكان لهذه الحركة أهمية خاصة في شيكاغو.
في الرابع من مايو/أيار عام ١٨٨٦، وخلال مظاهرة في ساحة هايماركت، انفجرت قنبلة. تدخلت الشرطة، فسقط قتلى من رجالها ومتظاهرين. أُلقي القبض على عدد من النشطاء الأناركيين، وأُدينوا، وأُعدم بعضهم لاحقًا. تركت هذه الأحداث بصمة عميقة على الحركة العمالية العالمية، وأصبحت شيكاغو رمزًا للنضال من أجل يوم عمل من ثماني ساعات، وقمع الحركات الاجتماعية.
1889: باريس تحدد الأول من مايو موعداً للاحتفال
في عام ١٨٨٩، عُقد مؤتمر اشتراكي دولي في باريس. وقرر المندوبون تنظيم يوم عمل دولي كبير للمطالبة بيوم عمل من ثماني ساعات. وقع الاختيار على الأول من مايو ١٨٩٠، تخليدًا لذكرى إضرابات الأول من مايو ١٨٨٦ في أمريكا. ومنذ ذلك القرار، أصبح الأول من مايو يومًا عالميًا لمطالب العمال. وفي العديد من البلدان، دُعي العمال للتظاهر في اليوم نفسه وللقضية نفسها. وهكذا، لعبت فرنسا دورًا هامًا في ترسيخ الأول من مايو كيوم عالمي للتعبئة الاجتماعية.
1890: أول مظاهرة عمالية في عيد العمال في فرنسا
في الأول من مايو/أيار عام ١٨٩٠، نُظمت مظاهرات في فرنسا للمطالبة بيوم عمل من ثماني ساعات. في ذلك الوقت، لم يكن الأول من مايو/أيار عطلة رسمية. وكان العمال الذين شاركوا في المسيرات أو توقفوا عن العمل يُخاطرون بفقدان أجورهم، أو مواجهة عقوبات، أو الاعتقال. ولذلك، كانت أيام مايو/أيار الأولى في فرنسا أيام نضال، وليست عطلات رسمية. وكثيراً ما حمل المتظاهرون رموزاً حمراء، وهو اللون المرتبط بالحركة العمالية. وكان ثمر الورد الأحمر أكثر بروزاً من زنبق الوادي في مخيلة الناشطين. وترسخت هذه المناسبة تدريجياً كحدث سنوي للطبقة العاملة.
1891: مذبحة فورمي، المأساة الفرنسية في الأول من مايو
في الأول من مايو عام ١٨٩١، نُظمت مظاهرة عمالية في مدينة فورمي، التابعة لإقليم نورد، للمطالبة بتطبيق نظام العمل ثماني ساعات يوميًا. كانت فورمي آنذاك مدينةً تشتهر بصناعة النسيج، حيث كان العمال يعملون في ظروف قاسية، إذ كانت أيام العمل طويلة، والأجور منخفضة، والتوترات الاجتماعية شديدة. وجاءت هذه المظاهرة ضمن حركة انطلقت في العام السابق تحت شعار العمل ثماني ساعات يوميًا. وكما هو الحال في أنحاء أخرى من فرنسا، أراد العمال جعل الأول من مايو يومًا للاحتجاج الاجتماعي.
تخشى السلطات حدوث اضطرابات. انتشر الجيش في المدينة. وقعت عدة حوادث في الصباح، وأُلقي القبض على عدد من الأشخاص. تصاعدت التوترات طوال اليوم. في وقت متأخر من بعد الظهر، تجمع حشد من الناس بالقرب من مبنى البلدية. يطالب المتظاهرون، من بين أمور أخرى، بالإفراج عن المعتقلين سابقًا. وانتشر الجنود في مواجهتهم.
تفاقم الوضع. فتح الجنود النار على الحشد. كانت الخسائر فادحة: تسعة قتلى وعشرات الجرحى. من بين الضحايا عمال شباب، بعضهم مراهقون. كانت ماري بلوندو، البالغة من العمر 18 عامًا، من أبرز الشخصيات في ذلك اليوم، والتي أصبحت رمزًا للمأساة.
أثارت حادثة إطلاق النار في فورمي صدمة عميقة في الرأي العام، وتركت بصمتها على التاريخ الاجتماعي الفرنسي. فقد أظهرت أن الأول من مايو لم يكن مجرد يوم احتجاج نظري، بل كان يومًا مرتبطًا بمواجهات حقيقية بين الحركة العمالية وأصحاب العمل المحليين والدولة وقوات إنفاذ القانون. بعد فورمي، اكتسب الأول من مايو بُعدًا تذكاريًا قويًا في فرنسا، إذ ظل مرتبطًا بالمطالبة بيوم عمل من ثماني ساعات، وبذكرى العمال الذين قُتلوا خلال النضالات الاجتماعية. وهكذا، أصبحت فورمي إحدى الأحداث المحورية في تاريخ الأول من مايو في فرنسا.
1895: تأسيس الاتحاد العام للعمال وترسيخ الحركة النقابية في الأول من مايو
في عام ١٨٩٥، تأسس الاتحاد العام للعمل (CGT)، ليصبح أحد أبرز منظمات الحركة العمالية الفرنسية. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، ترسخ الأول من مايو/أيار كيومٍ للنشاط النقابي. وتركزت المطالب بشكل أساسي على ساعات العمل والأجور وظروف العمل والاعتراف بحقوق العمال. وظل هذا اليوم تحت مراقبة دقيقة من السلطات، حيث كان المسؤولون يخشون باستمرار حدوث اضطرابات أو إضرابات أو اشتباكات. وهكذا، احتفظ الأول من مايو/أيار بطابعه النضالي. ولم يكن عطلة رسمية آنذاك، وكان على العمال في كثير من الأحيان المخاطرة بفقدان أجر يوم كامل للمشاركة في المسيرات.
1906: تعبئة قوية من أجل يوم عمل من ثماني ساعات
في مطلع القرن العشرين، ظلّ مطلب يوم العمل ذي الثماني ساعات محورياً. وفي عام ١٩٠٦، جعل الاتحاد العام للعمال (CGT) الأول من مايو/أيار موعداً رئيسياً للتعبئة من أجل تحقيق هذا المطلب. ونفّذت السلطات إجراءات أمنية مشددة. وشهد ذلك اليوم إضرابات وتوترات واعتقالات. ورغم أن يوم العمل ذي الثماني ساعات لم يتحقق فوراً، إلا أن الأول من مايو/أيار أكّد دوره كلحظة محورية في ميزان القوى الاجتماعية. وتُظهر هذه الفترة أن الأول من مايو/أيار أداة للضغط الجماعي.
1919: تم الاعتراف بيوم العمل ذي الثماني ساعات في فرنسا
بعد الحرب العالمية الأولى، تغير الوضع الاجتماعي. خرجت فرنسا من الصراع بخسائر بشرية فادحة، واقتصاد ضعيف، وتطلعات اجتماعية قوية. في عام ١٩١٩، أقر قانون ٢٣ أبريل العمل ثماني ساعات يوميًا وأربعين ساعة أسبوعيًا في العديد من القطاعات. كان هذا انتصارًا هامًا للحركة العمالية، إذ نال مطلبٌ طال انتظاره، والذي دافع عنه العمال منذ بداية عيد العمال، اعترافًا قانونيًا أخيرًا.
أُعلن الأول من مايو/أيار عام 1919 عطلةً رسميةً، فاكتسب هذا التاريخ أهميةً بالغةً في الحياة الاجتماعية الفرنسية. إلا أن هذا الإنجاز لم يضع حداً للاحتفال بعيد العمال، إذ استمر استخدامه للمطالبة بمطالب أخرى، كالأجور، والحماية الاجتماعية، والمعاشات التقاعدية، وحقوق النقابات، وإعانات البطالة، وظروف العمل، والسلامة.
فترة ما بين الحربين: يوم من النشاط النقابي والسياسي
في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، ظل الأول من مايو يومًا هامًا للنقابات العمالية والأحزاب اليسارية. كانت الحركة العمالية الفرنسية منقسمة بين عدة تيارات: الاشتراكيون، والشيوعيون، والفوضويون، والنقابيون الثوريون، والإصلاحيون. وقد أثرت هذه الانقسامات على المسيرات والشعارات وأشكال التعبئة.
بعد تأسيس الحزب الشيوعي الفرنسي عام ١٩٢٠، اكتسب عيد العمال بُعدًا سياسيًا أكثر وضوحًا ضمن شريحة من الحركة العمالية، إذ ارتبط بالأممية والتضامن بين العمال وانتقاد الرأسمالية. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، أضفت الأزمة الاقتصادية وصعود الأنظمة الاستبدادية في أوروبا بُعدًا مناهضًا للفاشية على عيد العمال.
1936: الجبهة الشعبية والإنجازات الاجتماعية الكبرى
في عام ١٩٣٦، مثّلت الجبهة الشعبية نقطة تحوّل حاسمة في التاريخ الاجتماعي الفرنسي. فبعد فوز اليسار في الانتخابات، اندلعت إضرابات واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد، واحتلّ العمال العديد من المصانع. وقد أسفرت اتفاقيات ماتينيون والتشريعات الاجتماعية اللاحقة عن العديد من الإنجازات الهامة، منها: زيادة الاعتراف بحقوق النقابات، ورفع الأجور، والإجازات المدفوعة، وأسبوع العمل الذي يبلغ أربعين ساعة. لم يكن الأول من مايو/أيار السبب الوحيد وراء هذه الإجراءات، ولكنه ينتمي إلى السردية التاريخية نفسها: سردية حراك العمال للمطالبة بتقليص ساعات العمل، وتحسين ظروف المعيشة، وزيادة تقدير الموظفين. بعد عام ١٩٣٦، ارتبطت ذكرى الأول من مايو/أيار ارتباطًا وثيقًا بالإنجازات الاجتماعية الفرنسية الكبرى.
من الأحمر إلى زنبق الوادي: تطور الرموز
في الأصل، كانت رموز عيد العمال في المقام الأول حمراء. فالأحمر لون الحركة العمالية والنضال الاجتماعي وذكرى القمع. ولطالما استُخدمت ثمرة الورد الأحمر شعارًا لعيد العمال، إذ تُذكّر بنضالات العمال وضحايا الحركات الاجتماعية. أما زنبق الوادي، فقد برز تدريجيًا في القرن العشرين، وهو أقل ارتباطًا بالسياسة وأكثر ارتباطًا بالعائلة وتقاليد الربيع.
لقد غيّر هذا التطور صورة الأول من مايو. فمع احتفاظ هذا التاريخ بدلالته على الوحدة، أصبح أيضاً يوماً شعبياً، مرتبطاً بالسعادة والتجدد وبادرة إهداء الزهور. واليوم، يُعدّ زنبق الوادي الرمز الأكثر شهرةً للأول من مايو لدى شريحة واسعة من الشعب الفرنسي.
1941: فيشي تُنشئ "مهرجان العمل والوئام الاجتماعي"
خلال الحرب العالمية الثانية، منح نظام فيشي الأول من مايو/أيار صفة رسمية. وفي عام ١٩٤١، أصبح الأول من مايو/أيار "يوم العمل والوئام الاجتماعي". عكست هذه التسمية أيديولوجية نظام فيشي، التي ركزت على العمل والأسرة والوطن. لم يتبنَّ النظام روح الاحتجاج العمالي التي سادت في عيد العمال. بل على العكس، سعى إلى طمس فكرة الصراع الطبقي وتنظيم العلاقات بين أصحاب العمل والعمال ضمن إطار استبدادي ونقابي.
يُعدّ مفهوم "الوئام الاجتماعي" جوهريًا. فهو يعني أن النظام يسعى إلى تقديم العمل كعنصر من عناصر الوحدة الوطنية، لا كمصدر للصراع بين العمال وأصحاب العمل والدولة. وتُفسّر هذه الفترة سبب كون مصطلح "عيد العمال" محلّ جدل. إذ يُفضّل جزء من الحركة العمالية استخدام مصطلح "اليوم العالمي للعمال"، وهو مصطلح أقرب إلى أصول هذا اليوم في أوساط الطبقة العاملة.
1947 و1948: أصبح الأول من مايو عطلة رسمية مدفوعة الأجر في فرنسا الجمهورية
بعد التحرير، أُعيد العمل بيوم الأول من مايو/أيار ضمن إطار النظام الجمهوري. وفي عام ١٩٤٧، صدر قانونٌ يُقرّ الأول من مايو/أيار كيوم عطلة مدفوعة الأجر. وفي عام ١٩٤٨، تمّ اعتماده رسميًا كعطلة رسمية تحت مسمى عيد العمال. هذا الوضع يُميّز الأول من مايو/أيار عن غيره من العطلات الرسمية. في فرنسا، هو العطلة الرسمية الوحيدة التي تُعتبر يوم عطلة مدفوعة الأجر إلزاميًا لغالبية الموظفين، باستثناء القطاعات التي لا يُمكن فيها إيقاف العمل. وعندما يعمل الموظفون في الأول من مايو/أيار، يحصلون عمومًا على أجرٍ أعلى. شكّل هذا الاعتراف القانوني خطوةً هامة: فقد أصبح يومٌ وُلِدَ من حراك العمال تاريخًا رسميًا في التقويم الاجتماعي الفرنسي.
بعد عام 1945: اجتماع سنوي للنقابات العمالية
بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح الأول من مايو/أيار يومًا منتظمًا للنشاط النقابي في فرنسا. وشاركت فيه المنظمات النقابية الرئيسية في أوقات مختلفة، منها: الاتحاد العام للعمال (CGT)، وقوة العمال (Force Ouvrière)، والاتحاد الفرنسي لعمال النقل (CFTC)، والاتحاد الفرنسي لعمال النقل (CFDT)، والاتحاد الفرنسي لعمال الخدمات (FSU)، والاتحاد الوطني لعمال الخدمات (UNSA)، ونقابات التضامن (Solidaires)، وغيرها. وتطورت المطالب تبعًا للظروف. فبعد الحرب، ركزت على إعادة الإعمار، والأجور، والحماية الاجتماعية، وحقوق النقابات. وخلال فترة الازدهار الاقتصادي التي أعقبت الحرب، انصب اهتمامها أيضًا على تقاسم النمو الاقتصادي، وظروف العمل، وساعات العمل، والخدمات العامة. ومنذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ومع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الصناعة، أصبح الأول من مايو/أيار أيضًا يومًا للدفاع عن الوظائف والقدرة الشرائية.
1968: الأول من مايو في مناخ احتجاجي
سبقت أحداث الأول من مايو/أيار عام 1968، ببضعة أيام، المظاهرات والإضرابات الطلابية الكبرى التي شهدتها فرنسا في مايو/أيار 1968. وقد أحدثت حركة مايو/أيار 1968 تحولاً جذرياً في المشهد الاجتماعي الفرنسي، إذ جمعت بين المطالب المتعلقة بالأجور، وإضرابات العمال، والاحتجاجات الطلابية، وانتقاد السلطة، والدعوات إلى تغيير العلاقات الاجتماعية.
بعد عام 1968، احتفظ الأول من مايو/أيار بطابعه النقابي، لكنه انفتح تدريجياً ليشمل قضايا أخرى: حقوق المرأة، وحقوق المهاجرين، والحريات المدنية، وظروف المعيشة، والبيئة، وانعدام الأمن الوظيفي. وظل هذا اليوم يتمحور حول العمل، ولكنه أصبح أيضاً مناسبة للتعبير عن المطالب الاجتماعية على نطاق أوسع.
منذ سبعينيات القرن العشرين: عالم عمل متحول
منذ سبعينيات القرن الماضي، شهد عالم العمل في فرنسا تحولات جذرية. فقد تراجعت حصة الصناعة، بينما نما قطاع الخدمات، وتفاقمت البطالة الجماعية، وتنوعت أشكال العمل. وقد تكيّف عيد العمال مع هذه التحولات، فلم يعد مقتصراً على عمال المصانع فحسب، رغم أهمية هذه الفئة في التاريخ الاجتماعي الفرنسي، بل أصبح يشمل أيضاً الموظفين، وموظفي الخدمة المدنية، والعاملين في مجال الرعاية الصحية، والمعلمين، والعاملين في وظائف غير مستقرة، والعمال المؤقتين، وسائقي التوصيل، والعاملين لحسابهم الخاص عبر المنصات الإلكترونية، والمتقاعدين، والباحثين عن عمل، والعمال الشباب. وتتركز المطالب الحالية بشكل خاص على الأجور، والمعاشات التقاعدية، وظروف العمل الشاقة، والصحة المهنية، وساعات العمل، والخدمات العامة، وانعدام الأمن الوظيفي، وعدم المساواة، والقدرة الشرائية.
يومٌ يُميّزه عادةً أخبار وسائل التواصل الاجتماعي
يعكس الأول من مايو/أيار من كل عام السياق الاجتماعي السائد. ففي بعض السنوات، تكون المسيرات صغيرة نسبياً، بينما في سنوات أخرى تكون كبيرة جداً، لا سيما خلال الحركات الجماهيرية الكبرى المناهضة للإصلاحات الاجتماعية أو فترات التوتر الاقتصادي الشديد. ويمكن أن تضفي إصلاحات نظام التقاعد، والتضخم، والأزمات الاقتصادية، والصراعات الاجتماعية، والمخاوف بشأن الخدمات العامة، أو النقاشات حول القدرة الشرائية، على الأول من مايو/أيار أهمية خاصة. ولذلك، غالباً ما يُعد الأول من مايو/أيار مؤشراً على المناخ الاجتماعي في فرنسا.
عيد العمال أم عيد العمال العالمي؟
يُعرف هذا اليوم في فرنسا باسم "عيد العمال"، وهو يُشير رسميًا إلى عطلة الأول من مايو/أيار. لكن تاريخيًا، يُعدّ مصطلح "عيد العمال العالمي" أقرب إلى أصل هذا التاريخ. فقد نشأ الأول من مايو/أيار من حراك عمالي عالمي للمطالبة بيوم عمل من ثماني ساعات. يُؤكد "عيد العمال" على العمل كقيمة عامة، بينما يُركز "يوم العمال" على الأشخاص الذين يعملون، وحقوقهم، وظروفهم المعيشية، ونضالاتهم، ومنظماتهم. في فرنسا، يتعايش هذان البُعدان، فالأول من مايو/أيار هو عطلة عمالية رسمية، ويومٌ تُطالب فيه النقابات العمالية بحقوق العمال.
يوم ثلاثي الأبعاد
اليوم، يحمل الأول من مايو في فرنسا ثلاثة أبعاد رئيسية. أولها قانوني: فهو عطلة رسمية، يوم إجازة مدفوعة الأجر. ثانيها اجتماعي: فهو يوم للمظاهرات، والمطالب النقابية، وإحياء ذكرى الطبقة العاملة. ثالثها شعبي: فهو يوم لتقديم زهور زنبق الوادي، كهدية لجلب الحظ السعيد. تنبع هذه الأبعاد الثلاثة من تاريخ مختلف. فقد تلاقت تقاليد الربيع، ونضالات العمال في القرن التاسع عشر، والتشريعات الاجتماعية في القرن العشرين، والعادات الشعبية تدريجياً حول هذا التاريخ...