عندما تُسخّن مراكز البيانات المدن: رهان فنلندا الرابح
عندما تُسخّن مراكز البيانات المدن: رهان فنلندا الرابح

في فنلندا، يُستغلّ الآن الحرارة المتولدة من مراكز البيانات (والتي كانت تُعتبر لفترة طويلة مجرد هدر للطاقة) لتدفئة آلاف المنازل. وبفضل مضخات الحرارة الفعّالة وشبكات التدفئة المركزية المتطورة، تُستعاد هذه "الحرارة المهدرة" ويُعاد استخدامها وتُغذّى بها أنظمة التدفئة البلدية. وبذلك، تُجسّد فنلندا نموذج الاقتصاد الدائري المُطبّق على القطاع الرقمي.

مبدأ بسيط: استعادة الطاقة المفقودة

تعمل خوادم الكمبيوتر باستمرار وتولد كميات كبيرة من الحرارة. ولمنع ارتفاع درجة حرارتها، يجب تبريدها باستمرار، مما يستهلك المزيد من الطاقة. في فنلندا، تُستغل هذه الحرارة المهدرة باستخدام مضخات حرارية عالية الكفاءة (بمعامل أداء يصل إلى 5) ثم يُعاد توزيعها على المنازل والمستشفيات والمدارس والمباني العامة.

في هامين، سيغطي مركز بيانات جوجل حوالي 80% من احتياجات المدينة السنوية من التدفئة بحلول عام 2025، حيث سيأتي 97% من طاقته من مصادر محايدة للكربون. أما في إسبو، فتُغطي مايكروسوفت وشركة الطاقة فورتوم حاليًا ما يقرب من 40% من احتياجات التدفئة لبعض أحياء هلسنكي الكبرى، حيث تخدمان حوالي 250 ألف أسرة، مع انخفاض مُقدّر في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 400 ألف طن سنويًا.

نموذج أصبح ممكناً بفضل البنية التحتية لدول الشمال الأوروبي

يعتمد نجاح فنلندا على ثلاثة عوامل رئيسية:

مناخ بارد، مما يؤدي إلى ارتفاع الطلب على التدفئة؛ شبكة تدفئة حضرية كثيفة (تصل إلى 50٪ من المنازل متصلة، مقارنة بحوالي 5٪ في فرنسا)؛ إنتاج كهرباء منخفض الكربون إلى حد كبير.

وبذلك، تُدمج مراكز البيانات في نظام طاقة إقليمي متكامل. وفي بعض الحالات، تُزوّد ​​شركات الاتصالات المحلية بالحرارة مجاناً تقريباً، مما يسمح للأسر بتخفيض فواتيرها بنسبة تتراوح بين 10 و15%.

الفوائد البيئية والاقتصادية

يُساهم استعادة الحرارة بشكل مباشر في تحقيق أهداف المناخ في البلاد. فقد ارتفعت نسبة الطاقة المحايدة للكربون في نظام التدفئة المركزية في فنلندا من 70% إلى 73% خلال عام واحد فقط. كما تُحقق هذه المشاريع فوائد محلية، منها استثمارات ضخمة (مليار يورو لتوسيع موقع جوجل في هامين)، وخلق فرص عمل، ودعم الاقتصاد.

مع ذلك، يعاني هذا النموذج من بعض القيود. فمراكز البيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة وتوظف عددًا قليلًا من الموظفين، مما قد يُشكل ضغطًا على إمدادات الكهرباء للقطاعات التي توفر فرص عمل أكثر. علاوة على ذلك، لا تقع جميع المراكز بالقرب من شبكات التدفئة المركزية، مما يحد من استعادة الطاقة.

هل يمثل ذلك مصدر إلهام لأوروبا؟

يعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز متطلبات كفاءة الطاقة، لا سيما من خلال توجيه كفاءة الطاقة، الذي يُلزم المنشآت الكبيرة بتقييم إمكانات استعادة الحرارة فيها. وقد بدأت بعض الدول بتقديم دعم مالي لمشاريع مماثلة، مثل فرنسا من خلال الوكالة الأوروبية لإدارة الطاقة والبيئة (ADEME).

وتظهر نماذج أخرى: تدفئة البيوت الزجاجية في هولندا، ومشعات الخوادم في المساكن الاجتماعية في فرنسا، أو التثمين المحلي من خلال الشركات الناشئة مثل LEVV في بروكسل.

شارك