الأوهام البصرية والخدع العقلية: هل يمكننا تجنبها؟
الأوهام البصرية والخدع العقلية: هل يمكننا تجنبها؟

تجذب الأوهام البصرية جمهورًا واسعًا من الناس الذين يجدون متعة كبيرة فيها، كما يفعل العلماء الذين يحاولون شرح كيفية عمل الدماغ استجابةً للمحفزات البصرية. أظهرت دراسة حديثة نشرت في مجلة تقارير علميةيستكشف الفيلم قدرة البشر على التغلب على هذه الأوهام دون الاستسلام لها. وتظهر النتائج أن هذا ممكن تماما، ولكن في ظل ظروف معينة.

يتعرض البشر للخداع البصري لأن الدماغ يقوم بتحليل الصور والمشاهد المرئية بناءً على سياقات محددة. لا تستطيع العين إدراك الأشياء بمعزل عن بعضها البعض؛ على العكس من ذلك، يركز الدماغ على جميع عناصر الصورة. ومن الأمثلة النموذجية على ذلك "وهم إيبينغهاوس"، الذي سمي على اسم عالم النفس الألماني هيرمان إيبينغهاوس.

وهم إيبينغهاوس

عند ملاحظة هذا الوهم، نرى مجموعتين من الدوائر الرمادية، كل منها تحيط بدائرة برتقالية مركزية. للوهلة الأولى، قد لا تبدو هذه الدوائر البرتقالية بنفس الحجم، على الرغم من أنها في الواقع متطابقة. ويتم تفسير ذلك من خلال تأثير الدوائر الرمادية المحيطة والتي تعدل من إدراك الصورة. في الواقع، يقوم الدماغ بتحليل الأشياء في سياقها العام وليس بشكل معزول.

يختلف إدراك الأوهام البصرية من شخص لآخر اعتمادًا على عدة عوامل. تشير الدراسات إلى أن النساء أكثر عرضة لهذه الأوهام من الرجال، وربما يرجع ذلك إلى اعتمادهن بشكل أكبر على الإشارات السياقية والسردية. وبالمثل، لا يدرك الأطفال الصغار هذه الأوهام لأن أدمغتهم لم تتعلم بعد كيفية تفسير الإشارات السياقية.

وتلعب العوامل العصبية والثقافية أيضًا دورًا مهمًا. الأشخاص المصابون بالتوحد أو الفصام أقل عرضة للخداع البصري لأنهم يركزون أكثر على العناصر الفردية بدلاً من محيطهم.

من الناحية الثقافية، يعتبر الأفراد من الثقافات في شرق آسيا، مثل اليابان، أكثر عرضة للخداع البصري لأن تصورهم يميل إلى أن يكون أكثر عالمية. وعلى النقيض من ذلك، فإن الأشخاص من الثقافات الغربية، التي تفضل الإدراك التحليلي والعزلة للأشياء، كما هو الحال في المملكة المتحدة، هم أقل عرضة لذلك، وفقا لنتائج الدراسة.

هل يمكن التغلب على الأوهام البصرية بالتدريب؟

يفترض العديد من الباحثين أن الميل إلى التأثر بالأوهام البصرية فطري ولا يمكن السيطرة عليه. ومع ذلك، فإن الدراسة الأخيرة تناقض هذه الفرضية من خلال الإشارة إلى أن التدريب يمكن أن يقلل من اعتماد الدماغ على الإشارات البصرية المضللة.

قارنت الدراسة بين مجموعتين: واحدة من أخصائيي الأشعة والأخرى من طلاب الطب وعلم النفس الشباب. وتظهر النتائج أن أخصائيي الأشعة أقل عرضة للخداع البصري بشكل كبير. ومن المرجح أن يكون هذا الاختلاف مبرراً من خلال سنوات التدريب المكثف الذي تلقوه، والذي يسمح لهم بالتركيز على التفاصيل المهمة في الفحوصات الطبية مع تجاهل العناصر المشتتة للانتباه في الخلفية.

تعرض المشاركون لأنواع مختلفة من وهم إيبينغهاوس. في إحدى التجارب، كانت الدائرة البرتقالية على اليسار أصغر قليلاً من الدائرة على اليمين، لكن معظم المشاركين كان لديهم انطباع معاكس. ومع ذلك، كان أخصائيو الأشعة أفضل في تحديد الأحجام الفعلية، مما يشير إلى أن تدريبهم البصري سمح لهم بالتغلب على الوهم. ومن المثير للاهتمام أن أخصائيي الأشعة في بداية تدريبهم لم يظهروا هذه القدرة، مما يشير إلى أن القدرة على التغلب على هذه الأوهام تتطور مع الوقت والخبرة.

هل التعلم ممكن؟

وتشير الدراسة إلى أن هذه القدرة على التعلم والتحسن لا تقتصر على مجال محدد. على سبيل المثال، إتقان لعبة الشطرنج لا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز مهارات حل المشكلات في التخصصات الأخرى. في المقابل، يمكن للتدريب في مجال محدد، مثل الأشعة، أن يحسن القدرات الإدراكية العامة، بما في ذلك مقاومة الأوهام البصرية.

يفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة في العديد من المهن التي تتطلب الإدراك البصري الدقيق. ويقوم الباحثون باستكشاف إمكانية تصميم تدريب مماثل للطيارين والجراحين ومحققي الشرطة. إذا كان الأمر كذلك، فإن تطوير برامج متخصصة لتعزيز الإدراك البصري قد يؤدي إلى تحسين الأداء في هذه المجالات الحيوية.

بالإضافة إلى ذلك، يستكشف العلماء حاليًا ما إذا كان التدريب على الأوهام البصرية بحد ذاته يمكن أن يعمل على شحذ المهارات الإدراكية، بنفس الطريقة التي تعمل بها التمارين البدنية على تقوية العضلات. ويشيرون إلى أن هذا الأمر يتطلب تدريبًا منهجيًا ومكثفًا. ومع ذلك، فإن هذه النتائج قد تكون مفيدة في مساعدة الأفراد على معالجة المعلومات البصرية المضللة بشكل أفضل وتحسين إدراكهم، سواء في الحياة اليومية أو في البيئات المهنية.

شارك