هل يُغيّر العمال الرحّل سوق العمل؟
هل يُغيّر العمال الرحّل سوق العمل؟

منذ انتشار العمل عن بُعد على نطاق واسع عقب جائحة كوفيد-19، برزت فئة جديدة من العاملين في المشهد الاقتصادي: "الرحّالة الرقميون"، أو "العاملون المتنقلون". يستخدم هؤلاء المحترفون التقنيات الرقمية للعمل عن بُعد مع تغيير مكان إقامتهم بانتظام، وقد ينتقلون أحيانًا من بلد إلى آخر. وقد انتشر نمط الحياة هذا، الذي كان هامشيًا في السابق، تدريجيًا ليشمل العديد من القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والخدمات الرقمية.

وقد تسارعت هذه الظاهرة بفعل تحول عالم العمل. ففي أوروبا، ازداد عدد الموظفين الذين يعملون عن بُعد بشكل حاد في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، مما عزز ظهور وظائف أقل ارتباطًا بالمكتب الثابت. وتشير بعض الدراسات إلى أنه بحلول عام 2025، سيشكل الموظفون بدوام كامل حوالي 41% من الرحالة الرقميين، بفضل سياسات العمل عن بُعد التي تتبناها شركاتهم والتي تتيح لهم التنقل.

كما تنوعت خصائص المشاركين في هذا النمط من العمل. فبينما كان العاملون لحسابهم الخاص ورواد الأعمال يسيطرون عليه في البداية، نرى اليوم موظفين وأزواجاً وحتى عائلات يختارون العمل أثناء السفر. ويبلغ متوسط ​​أعمار هؤلاء العاملين حوالي ثلاثين عاماً، ويعمل الكثير منهم في قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والتسويق الرقمي وصناعة المحتوى.

ظاهرة مرئية ولكنها لا تزال محدودة

على الرغم من التغطية الإعلامية الواسعة، لا يزال العمل عن بُعد الرقمي هامشيًا نسبيًا في إحصاءات سوق العمل. وتشير الأبحاث الأوروبية إلى أن العمال الرحّل يمثلون أقل من 0,2% من القوى العاملة في البلدان المضيفة، مما يعني أن تأثيرهم المباشر على سوق العمل لا يزال محدودًا في الوقت الراهن.

مع ذلك، يتجاوز تأثيرهم أحيانًا حجمهم الفعلي في الاقتصاد. ففي بعض المدن التي تجذب العاملين عن بُعد من مختلف أنحاء العالم، يُمكن أن يُساهم وصول الموظفين الأجانب الذين تدفع لهم شركاتٌ في أماكن أخرى في إحداث تحوّل في الاقتصادات المحلية. وتتزايد الإيجارات ومساحات العمل المشتركة والمقاهي المُهيأة للعمل عن بُعد لتلبية هذا الطلب الجديد.

في العديد من الوجهات السياحية الشهيرة، قد يُؤدي هذا الوضع إلى توترات. إذ يشكو السكان أحيانًا من ارتفاع تكاليف المعيشة أو التحول السريع الذي تشهده بعض الأحياء، نتيجةً لقدوم العمال الأجانب ذوي الدخول الأعلى من السكان المحليين. ويُؤجج هذا الوضع نقاشًا حول الآثار الاجتماعية والاقتصادية للترحال الرقمي في بعض المدن.

تحول تدريجي في العمل

بالنسبة للشركات، تمثل هذه المرونة الجديدة فرصة وتحدياً في آن واحد. فإمكانية العمل عن بُعد تتيح استقطاب الكفاءات الدولية وتوفير مرونة أكبر للموظفين. وفي بعض القطاعات شديدة التنافسية، بات السماح بالعمل من الخارج أداةً أساسيةً في عملية التوظيف.

ومع ذلك، لا تزال المسائل القانونية والضريبية معقدة. إذ يتعين على الشركات التعامل مع أنظمة مختلفة في بلدان مختلفة، لا سيما فيما يتعلق بالضرائب والضمان الاجتماعي وقانون العمل. وتفسر هذه القيود سبب استمرار العديد من الشركات في تحديد مدة عمل موظفيها في الخارج.

في نهاية المطاف، لم يُحدث العاملون عن بُعد ثورةً في سوق العمل بعد، لكنهم يُجسّدون تحولاً أعمق: الانفصال التدريجي بين مكان العمل والحياة المنزلية. ومع صعود التكنولوجيا الرقمية وأدوات التعاون، قد يستمر هذا التوجه في النمو، مُعيداً تشكيل جغرافية العمل تدريجياً على نطاق عالمي.

شارك