بات الوضع أشبه بالمهزلة. فبعد أن أجبرتهم المحاكم على عقد قران مواطن أجنبي صدر بحقه أمر مغادرة الأراضي الفرنسية، أعلن رئيس بلدية شيسي (سين ومارن)، أوليفييه بورجو، وجميع نوابه استقالاتهم بدلاً من تنفيذ قرار اعتبروه منافياً للمنطق السليم وسلطة الدولة. لكنهم لم يتوقعوا رفض محافظة سين ومارن استقالاتهم، بحجة ضرورة "الحفاظ على استمرارية الحياة البلدية" قبيل الانتخابات البلدية لعام 2026. بعبارة أخرى، ترفض الدولة تنفيذ أوامر الترحيل الصادرة عنها، وفي الوقت نفسه تمنع المسؤولين المحليين المنتخبين من التنحي عندما يرفضون أن يكونوا مجرد منفذين سلبيين.
أمر ترحيل لم يُنفذ وتهديد جنائي... موجه للمسؤولين المنتخبين، وليس للدولة.
بدأت القضية بزواج مُخطط له بين مواطنة أوروبية ورجل غير موثق يخضع لأمر ترحيل. وخلال جلسات استماع منفصلة مع الزوجين المُحتملين، ذكرت البلدية أن الرجل أقر بأن دافعه "يبدو أنه يكمن في تسوية وضعه الشخصي أكثر من الزواج نفسه". ووفقًا للقانون، أُحيلت القضية إلى النيابة العامة.
قررت النيابة العامة في مو في نهاية المطاف عدم الاعتراض على الزواج، معتبرةً أمر الترحيل "غير ساري المفعول" وعدم وجود أي دليل على نية احتيالية. بل ذهب القاضي في غرفته إلى أبعد من ذلك: ففي أمر صادر بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول 2025، أمر مجلس المدينة بنشر إعلانات الزواج في غضون 48 ساعة وتحديد موعد الزفاف قبل نهاية العام. وأمام هذا الالتزام، اختار أوليفييه بورجو ونوابه الاستقالة من مناصبهم التنفيذية، مع بقائهم أعضاءً في المجلس البلدي. كانت هذه طريقةً لهم للتمسك بمبادئهم دون تعريض المدينة لعقوبات قانونية ومالية.
تبلغ المفارقة ذروتها عندما يشير المدعي العام إلى أن "معارضة رئيس البلدية المستمرة" لحفل الزفاف "من المرجح أن تشكل جريمة جنائية". وبالتالي، فإن رفض رئيس البلدية الاعتراف رسميًا بوجود شخص على الأراضي الفرنسية بموجب أمر ترحيل قد يُعاقب عليه جنائيًا، بينما لا يُعاقب على تقاعس الدولة عن إنفاذ الأمر نفسه. "انقلب العالم رأسًا على عقب"، هكذا لخص أوليفييه بورجو الوضع في بيان صحفي. ومن الصعب الاختلاف معه.
تناقض سبق التنديد به في بيزييه
ليست قضية شيسي حالةً معزولة. ففي بيزييه، يُحاكم رئيس البلدية روبرت مينارد لرفضه الزواج من امرأة فرنسية ورجل جزائري بموجب أمر قضائي يلزمه بمغادرة الأراضي الفرنسية. وتجسد قضيته خير تجسيد المأزق القانوني الذي يجد فيه رؤساء البلديات أنفسهم.
من جهة، بصفتي رئيس بلدية، فأنا مسجل مدني، لذا عليّ أن أعقد الزيجات. ومن جهة أخرى، فأنا أيضاً ضابط شرطة قضائية، وعليّ أن أحافظ على الأمن والنظام العام. ومع ذلك، يُطلب مني أن أعقد قران شخص صدر بحقه أمر ترحيل. لا يمكنني عقد قرانه، فهذا أمر بديهي.
هذا التناقض ليس هامشياً، بل يضع رؤساء البلديات في قلب صراع بين القانون والعدالة والعجز الإداري للدولة.
الرأي العام يؤيد الحظر إلى حد كبير
خلافاً لما توحي به بعض التصريحات الرسمية، فإن الرأي العام يؤيد بأغلبية ساحقة حظر زواج المهاجرين غير الشرعيين. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته وكالة CSA لصالح CNews وEurope 1 وJDD في مايو 2025، فإن 73% من الفرنسيين يؤيدون هذا الحظر، مقابل 26% يعارضونه، و1% لم يُبدوا رأياً.

بدأ المجلس التشريعي بالفعل باتخاذ إجراءات في هذا الشأن. ففي 20 فبراير/شباط 2025، أقرّ مجلس الشيوخ، بأغلبية 227 صوتًا مقابل 110، مشروع قانون يهدف إلى حظر الزواج في حال كان أحد الزوجين المستقبليين مقيمًا في البلاد بصورة غير قانونية. ويعزز هذا النص صلاحيات مسجلي الأحوال المدنية والنيابة العامة لمكافحة الزيجات الصورية أو المدبرة. وهو الآن بانتظار مراجعته من قبل الجمعية الوطنية.
تُسلّط قضية تشيسي الضوء على التدهور العميق الذي تشهده دولةٌ باتت سلطتها غير متكافئة. فهي، بقسوتها على المسؤولين المحليين المنتخبين، تُجبرهم على اتخاذ قراراتٍ عبثية، رغم عجزها عن إنفاذ التزاماتها المتعلقة بالترحيل. وبعيدًا عن كونها مجرد جدلٍ قانوني، فإن أزمة التماسك هذه تتحول إلى أزمة ثقة حقيقية.